أخبار الاقتصاد

اقتصاد الحرب.. فرصة للنمو أم وهم قصير الأجل؟


بين النمو والخداع.. هل تفيد الحرب الاقتصاد؟

بين النمو والخداع.. هل تفيد الحرب الاقتصاد؟

يثير الوضع العالمي الحالي، المتمثل في الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، أحد أصعب وأصعب الأسئلة من الناحية الاقتصادية: هل يمكن للحرب أن تخلق الثروة أم أن الربح الذي تخلقه ليس سوى وهم قصير المدى؟

الجواب على هذا السؤال يتكون من رأيين متعارضين، تدعمهما الحقائق والأرقام. ومن ناحية أخرى، تكشف الحسابات العددية الفعلية أن “الحروب الاقتصادية“إنه يساعد على استعادة الاستثمار في الدفاع وتدفق المليارات إلى القطاع الإنتاجي الابتكار العسكريتوليد المزيد من الدخل وفرص عمل جديدة في الصناعات الذكية.

من ناحية أخرى، يحذر الاقتصاديون من أن هذه الزيادة غالبا ما تكون “وهمًا قصير المدى”، فالحرب هي في الواقع وسيلة لتدمير الاقتصاد وتعطيل حركة المرور الدولية، ويُنظر إلى قيمتها الحقيقية على أنها موجات. ارتفاع الأسعار رياح شديدة وارتفاع الأسعار قوة مما يقيد أسهم العوام.

التسارع الاقتصادي

وبحسب تقرير أعدته صحيفة وول ستريت جورنال، واستعرضه موقع “سكاي نيوز عربية” الاقتصادية، فإن مسألة إمكانية أن تكون الحرب مفيدة للاقتصاد قد تبدو صعبة، فالحرب بطبيعتها كارثة وتدمر الحياة، لكن لها آثار اقتصادية إيجابية أيضا. على سبيل المثال، خرجت الولايات المتحدة من الحربين العالميتين الأكثر ثراءً، ودخلت الحرب الثانية في منتصف فترة الكساد الكبير، وخرجت منها كقوة عظمى.

الأرقام تظهر ذلك البطالة وفي الولايات المتحدة، انخفض من 14.6% في عام 1940 إلى 1.2% في عام 1944. وبحلول عام 1945، أنتجت الولايات المتحدة ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، مما يدل على قوتها الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب.

خرق أمني كبير

في هذه الأثناء، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوق الموافقة على ميزانية دفاع قدرها 1.5 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى قريب من ذروة النفقات العسكرية الكبرى التي سجلها الرئيس ريغان خلال الحرب الباردة عام 1985. ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي تجديد المعدات العسكرية الأميركية بعد حرب إيران إلى إبقاء الصناعات في مناطق مختلفة وبمختلف الأعمار، مما سيعزز الأمن القومي.

أما كوريا الجنوبية، المعرضة دائما لخطر الحرب، فقد نجحت في بناء قطاع مزدهر لتصدير الأجهزة، وهو المحرك الثاني للنمو إلى جانب مخزونها الكبير من الرقائق الإلكترونية. وفي الوقت نفسه، سجلت إسرائيل مؤخرًا نموًا اقتصاديًا في قطاع التكنولوجيا، بقيادة زيادة في الإنفاق العسكري، مما يظهر النمو العسكري كمحفز للنمو الاقتصادي في البلدان الأخرى.

حاليا، مواقع البناء تعمل السفن الصينية بناء أكبر أسطول بحري في العالم يتماشى مع الإنتاج السفن التجارية. يؤدي الأسطول الصين ويلعب الجيش الرئيسي وقطاعه اللوجستي المتقدم دوراً مزدوجاً، حيث يساعدان جيش الشعب الصيني على تنظيم وتسهيل نقل الصناعات المحلية إلى الأسواق الدولية. وبالنسبة للاقتصاد الصيني فإن هذا المزيج من القوة العسكرية والتجارية يخلق استراتيجية ممتازة تعمل على توسيع مكانتها في العالم.

ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، تنفق روسيا اليوم أكثر من 7 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على جيشها، وبالتالي تجنب الانهيار الاقتصادي بسبب العقوبات وتكلفة الحرب، وفقا للمحللين. لكن موسكو ليست الوحيدة التي تسير على هذا الطريق. ومن أوتاوا عبر اليابان إلى أوروبا، تتدفق الأموال إلى الجيش والدفاع بمعدل لم يشهده العالم منذ عقود.

أوروبا تزيد من الإنفاق الدفاعي

وفي أوروبا، التي خفضت لسنوات الإنفاق الدفاعي، مفضلة الإنفاق على مقدمي المساعدات والأشغال العامة واسعة النطاق، كان أداء بعض البلدان أفضل منذ ذلك الحين. الحرب الباردةلكن هذا النمو الاقتصادي تباطأ بشكل حاد مع انخفاض الإنفاق العسكري، من 2% و3% من الناتج المحلي الإجمالي في الثمانينيات والتسعينيات إلى نحو 1% في السنوات الأخيرة.

ومؤخراً، تعهدت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال زيادة الإنفاق على الدفاع والدفاع إلى حوالي 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما سيحتاج إلى تخفيف الألم في قطاعات أخرى مثل الصحة العامة والاجتماعية والثقافية.

ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين جانبًا إيجابيًا للتغيرات الجارية. مع أزمة الاقتصاد الأوروبي والمشاكل الخطيرة التي تواجه صناعة السيارات من المنافسة الصينية، يمكن للإنتاج العسكري في أوروبا أن يوفر فرص عمل لعمال السيارات المفصولين ويجذب المهندسين الذين يمكنهم العمل في صناعة السيارات، بحيث يمكن أن يكون قطاع الدفاع داعمًا اقتصاديًا في خضم المشاكل التي نواجهها في الاقتصاد غير الدفاعي.

وكثيراً ما تؤدي البحوث العسكرية إلى ابتكارات يستفيد منها القطاع المدني، بدءاً من تطوير الفولاذ الصناعي على نطاق واسع، إلى تطوير أجهزة الكمبيوتر الضخمة، إلى الجراحة الترميمية. واليوم، تمول عقود الدفاع التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطائرات بدون طيار، والتي تتمتع بإمكانات كبيرة لتحويل وإثراء قطاعات مختلفة من الاقتصاد المشترك.

بعض الأفكار

ومن وجهة نظر مماثلة، يعتقد العديد من العلماء أنه إذا كان التاريخ يحتوي على درس واضح حول كيفية إنفاق الاقتصاد للأموال على الحرب، فلا يمكن أن نعرفه. صحيح أن الولايات المتحدة واجهت أزمة اقتصادية في ستينيات القرن الماضي، لكن التوسع السريع لقّنها درساً حول مخاطر القتال في فيتنام. وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي بدا قوياً بما يكفي لإنفاق الكثير من المال على الأسلحة، إلا أنه لم يكن ناجحاً.

هناك دروس مماثلة عبر التاريخ، حيث اندلعت الثورة الفرنسية بسبب التكلفة المرتفعة لدعم المتمردين الأميركيين في إنجلترا. الملك لويس ملك فرنسا فرنساواستطاع الملك أن يخسر عرشه وحياته بإقناعهم بالتغيير. وفي نهاية هذا الحدث، كانت الولايات المتحدة هي الرابح الوحيد الذي استفاد من العملة الفرنسية.

ولا تزال الآثار السلبية للإنفاق العسكري معروفة، لأنه يمكن أن يؤدي إلى انخفاض السلع الاستهلاكية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مع استخدام المواد لإنتاج الأسلحة بدلا من السلع الاستهلاكية. ويؤدي هذا الإنفاق أيضاً إلى تقليل الأموال التي يتم شراؤها، حيث تبدأ الحكومات في الاقتراض في أسواق المال لجمع الأموال، مما يؤدي إلى رفع تكلفة الإقراض للأسر والشركات.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لقطاع الدفاع أن يجذب العمال من القطاعات الرئيسية مثل التكنولوجيا العالية والتصنيع، مما يشكل ضغطًا على سوق العمل ويرفع الأجور.

هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟

وقال الخبير الاقتصادي محمد أبو الحسن، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن السؤال “هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟” ويضعنا أمام الحقيقة الأصعب في علم الاقتصاد. المفارقة الرئيسية هنا هي أن إجابتين متعارضتين لهذا السؤال صحيحتان تمامًا في نفس الوقت. وذلك لأن تقييم تأثير الحرب على الاقتصاد لا يتوافق مع المفهوم التقليدي “للصواب والخطأ”، بل يعتمد إلى حد كبير على الإطار الزمني المستخدم لتقييم الوضع.

يوضح أبو الحسن أنه على المدى القصير والمستقبل المنظور لا يمكن لأحد أن ينكر أن الحرب يمكن أن تكون مفيدة للاقتصاد، لأنها تعمل كحافز لتعزيز أنشطة الشركات، على سبيل المثال عندما يتم ضخ مئات المليارات من الدولارات للتمويل… حربويجب الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأرقام لا تبقى حبرا على ورق، بل هي مشتريات حقيقية لصناعات الصلب وشركات التكنولوجيا وشركات السيارات وشركات المعدات الثقيلة وغيرها، مما يؤدي إلى تصور البطالة وتحريك العجلة الاقتصادية في الاقتصاد، وبالتالي يصبح الجواب بأن الحرب “محرك النمو” هو الجواب الصحيح للرياضيات والواقع.

ويضيف أبو الحسن أنه في الوقت نفسه فإن الإجابة بأن الحرب ليس لها أي فائدة للاقتصاد هي أيضا صحيحة، لأن النمو الاقتصادي الذي يحدث خلال الحرب يأتي من الكحول وليس المال. ورغم أن أموال المدنيين تبني الجسور والصناعات التي تدعم الاقتصاد لسنوات عديدة، فإن الحرب تخلق أسلحة مصممة للانفجار أو استهلاكها في ساحة المعركة، مما يترك الديون السيادية والتضخم يدمر القوة الشرائية للمواطنين العاديين، مبينا أن بعض الدول يمكن أن تفوز في حرب التكنولوجيا والتصنيع في الحرب، لكنها يمكن أن تخسر على المدى الطويل بسبب اقتصادها. على المدى الطويل، كما حدث مع الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ التي سقطت في ذروة قوتها العسكرية.

الوهم البصري الاقتصادي

ويرى أبو الحسن أن هذا التناقض يضعنا أمام وضع أشبه بالاحتيال الاقتصادي، حيث نرى التطور في العلامات الصناعية والعسكرية، لكننا نشعر بثقل الأسعار والديون في حياتنا اليومية، ما يجعل “الاقتصاد العسكري” فريدا من نوعه يلتقي فيه عدد النمو مع تدمير الحياة في الوقت نفسه.

نمو كاذب

له، قالت الصحافية المالية باتريشيا جلاد، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن النمو الناتج عن الحرب غالبا ما يكون مستقرا ومؤقتا، ويمكن في كثير من الأحيان اعتباره نموا احتياليا، يعتمد على السيطرة على الوضع وليس خلق فوائد حقيقية مستدامة. صحيح أن إنفاق المال على الجيش يخلق الاحتياجات ويحفز الاقتصاد، لكنه يفعل ذلك بسبب قطاعات أخرى، أكثر ربحية على المدى الطويل، مع العلم أنه عندما يتم توجيه المال والعمل إلى إنتاج الأسلحة بدلاً من… البنية التحتية أو التعليم أو المهارات التنموية، فإن الاقتصاد يفقد فرصة كسب المال الذي كان سيجلب فوائد كبيرة ومستدامة.

دروس التاريخ

وبحسب جلاد، فإن التجارب السابقة تدعم هذه الفكرة. والولايات المتحدة التي استفادت من الحرب العالمية الثانية، دفعت فيما بعد ثمن حرب فيتنام، من خلال التضخم والركود، في حين انهار الاتحاد السوفييتي بسبب انهيار اقتصاده في سباق تسلح غير مستقر. وحتى الآن في روسيا، فإن إنفاق الكثير من الأموال على المؤسسة العسكرية يمكن أن يمنع الانهيار السريع، لكنه لا يحل الخلل الاقتصادي الكبير، ويؤكد أن الحروب تسبب صدمات للاقتصاد العالمي، من تعطيل سلسلة التوريد إلى ارتفاع أسعار الطاقة. والغذاء الذي له تأثير سلبي على المستهلكين والشركات، وتوفير هذه الأموال عن طريق القروض يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، مما يضع الفائدة على القطاع الخاص ويقلل من نمو عامة الناس.

ويشير جلاد إلى أن الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تخلق اقتصادا مستقرا هو من أخطر الظواهر الاقتصادية، لأن الحروب غالبا ما تترك المؤسسات المالية منهكة ومثقلة بالديون ومشوهة في بنيتها. وفي النهاية فإن الرابح الحقيقي من هذه الدوامة يظل الطرف الثالث غير المقاتل، لأنه يستفيد من الصراع دون أن يتحمل تكلفة الدمار أو التعطيل.