أخبار العالم

بعد تسجيل أراضٍ بالمنطقة «ج».. السلطة الفلسطينية تواجه «أخطر مؤامرة» إسرائيلية – الأسبوع


في ظل تنفيذ قرار تسجيل وتسوية الأراضي في المنطقة «ج» بالضفة الغربية المحتلة، الذي بدأ فعليًا بعد مصادقة الحكومة الإسرائيلية منتصف الشهر الجاري، تواجه السلطة الفلسطينية «أخطر مؤامرة» إسرائيلية، تهدد بقاءها الإداري والسياسي.

القرار يُفرغ دور السلطة المحدود في الضفة من محتواه، حيث يُحوّل مساحات واسعة إلى «أراضي دولة» إسرائيلية، ويُسرّع تهجير مجتمعات فلسطينية كاملة في المنطقة «ج»، ما يُنهي عمليا أي إمكانية لدولة فلسطينية متصلة جغرافيا.

السلطة، التي تُدير شئون مدنية في نحو 40% من الضفة فقط، ترى في الخطوة إعلانا رسميا بانهيار اتفاقيات أوسلو، خاصة بعد سحب إسرائيل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة (مثل محيط الحرم الإبراهيمي) وتوسيع سلطة الإدارة المدنية الإسرائيلية داخل مناطق «أ»، و«ي»، تحت ذرائع أمنية وبيئية.

السيطرة بالأمر الواقع

أقرت الحكومة الإسرائيلية، مؤخرا، مخطط لإطلاق عملية تسوية، وتسجيل منهجية شاملة للأراضي في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تُعدّ الأخطر والأكثر منهجية منذ احتلالها عام 1967، وتأتي استكمالاً لقرار تحضيري اتخذه المجلس الوزاري- الأمني المصغر (الكابينت)، في 11 مايو 2025 ببدء الإعداد لهذه العملية سرًّا. حولت الخطة ملفا ظل مجمّدا لعقود ضمن صلاحيات عسكرية مؤقتة إلى برنامج حكومي منظم بميزانية ضخمة وخطة عمل متعددة السنوات.

كلفت الحكومة هيئة مهنية تابعة لوزارة القضاء بتنفيذه، ومنحتها صلاحيات واسعة مستمدة من أوامر قائد المنطقة العسكرية، ما جمع بين الإطار الإداري المدني والمرجعية العسكرية، وعكس انتقالاً تدريجيا وخطيرا من إدارة احتلال مؤقتة إلى إدارة مؤسساتية طويلة الأمد تهدف إلى تثبيت سيطرة دائمة على الأرض، وتحويل الاحتلال من واقع عسكري إلى واقع قانوني لا رجعة فيه.

خصصت الحكومة الإسرائيلية نحو 244.1 مليون شيكل (أكثر من 67 مليون دولار) لتنفيذ المشروع خلال السنوات الخمس المقبلة 2026-2030، وأنشأت مديرية جديدة كاملة للتسوية داخل وزارة القضاء تضم 25 وظيفة جديدة، ووسعت الطواقم المساحية والخرائطية والتقنية في مركز الخرائط الوطني التابع لوزارة الإسكان، بالإضافة إلى توزيع 35 وظيفة إجمالية تشمل وزارة الدفاع والإدارة المدنية.

تهدف الخطة إلى تسوية نحو 15% من الأراضي غير المسجلة في المنطقة «ج» خلال المرحلة الأولى، أي نحو 290 ألف دونم من أصل 1.7- 1.9 مليون دونم لم تُحسم ملكيتها النهائية، لكن الآلية المعتمدة تسمح بتوسع تدريجي قد يشمل مئات الآلاف من الدونمات على مدى عقود، وربما يستغرق الإجراء الكامل 30 عاماً حسب تقديرات إسرائيلية داخلية.

وتشكل المنطقة «ج» نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، حيث تسيطر إسرائيل بالكامل على الجوانب الإدارية والأمنية والتخطيطية منذ اتفاق أوسلو الثاني عام 1995، وتضم معظم الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية والطرق الرئيسية. أي تغيير في وضع هذه الأراضي سيؤثر مباشرة على مستقبل الحل السياسي ويُغلق الباب نهائياً أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة.

بيانات إسرائيلية تشتيتية

تُظهر البيانات الإسرائيلية الرسمية أن نحو 1.4 مليون دونم فقط (أكثر من 333 فدانًا) سُجّلت سابقاً بصورة نهائية خلال العهد الأردني، منها نحو 824 ألف دونم (196 فدانًا) صنفتها الحكومة الإسرائيلية كـ«أراضي دولة»، مقابل نحو 579 ألف دونم (137 فدانًا) أقرت كملكية خاصة فلسطينية. بقيت المساحات الأكبر خارج التسوية الرسمية بسبب توقف الإجراءات منذ أواخر العهد الأردني، ثم تجميدها بعد الاحتلال عام 1967.

تستهدف الخطة الجديدة هذا الفراغ القانوني الذي خلقه الاحتلال نفسه، وتحوّل الأراضي غير المحسومة إلى سجل عقاري خاضع للإدارة الإسرائيلية المباشرة، مما يمنح المحتل قدرة قانونية واسعة على إعادة تعريف الملكية استنادًا إلى عمليات المسح والتوثيق التي يصعب على الفلسطينيين مواجهتها أو الطعن فيها دولياً أو قضائياً على المدى الطويل.

تُلزم الخطة السكان الفلسطينيين مالكي الأراضي بتقديم وثائق تاريخية أصلية تعود إلى العهد العثماني أو الانتداب البريطاني أو الحكم الأردني، وهي وثائق غالباً ما تكون مفقودة أو مدمرة أو غير كافية بسبب عقود الاحتلال والحروب والفوضى الإدارية. إذا لم يقدموا الأدلة أو اعتبرتها الهيئة غير كافية، تُسجّل الأرض تلقائياً كـ«أرض دولة» إسرائيلية.

تنتقد منظمة «السلام الآن»، الإسرائيلية المعارضة للاستيطان هذا الأسلوب بشدة، معتبرة أنه «استيلاء واسع النطاق على الأراضي ينقل النزاع من ساحة الوقائع الميدانية إلى ساحة السجلات القانونية الرسمية التي يُصبح التشكيك فيها أمرًا شبه مستحيل». مديرة مراقبة الاستيطان في المنظمة، هاغيت أوفران، اعترفت بأن «هذه الخطوة دراماتيكية جدًا وتمكن الدولة من السيطرة على كل منطقة- ج- تقريبًا، بينما يُطلب من الفلسطينيين إثبات ملكيتهم بطريقة مستحيلة عمليًا، مما قد يؤدي إلى سيطرة قانونية إسرائيلية على 83% من المنطقة، أي نصف مساحة الضفة الغربية تقريبًا».

تعتمد الحكومة الإسرائيلية على عدة قوانين لتبرير الخطة، أبرزها قانون الأراضي العثماني لعام 1858 الذي منح الدولة السيادة على الأرض مقابل حقوق انتفاع مشروطة، والأوامر العسكرية الصادرة بعد عام 1967 التي نقلت صلاحيات إدارة الأراضي إلى الحاكم العسكري والإدارة المدنية. لكن عددًا كبيراً من فقهاء القانون الدولي يرون أن أي تغييرات طويلة الأمد في بنية الملكية، أو توزيع الموارد تتجاوز مفهوم الإدارة المؤقتة، إذ يمنح الاحتلال إدارة انتقالية فقط لحين التوصل إلى تسوية سياسية.

انتقاد التهجير التدريجي

أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش القرار فور صدوره، معتبرًا إياه انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة تغيير الوضع القانوني للأراضي، أو نقل ملكيتها، أو استغلالها لصالح سكانها. وأكد جوتيريش أن «جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والنظام المرتبط بها، لا تتمتع بأي شرعية قانونية، وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة».

وصف، جوتيريش، قرار الحكومة الإسرائيلية باستئناف إجراءات تسجيل الأراضي في المنطقة «ج» من الضفة الغربية المحتلة «سيؤدي إلى تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم ويهدد بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي في المنطقة»، ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى «التراجع الفوري عن هذه الإجراءات»، محذرًا من أن «المسار الحالي على الأرض يُقوّض فرص حل الدولتين».

يعكس التحول الجاري انتقالاً خطيراً في أدوات إدارة الصراع، حيث تنتقل الحكومة الإسرائيلية من السيطرة العسكرية المباشرة والمصادرات الظاهرة أو القرارات الفورية، إلى استراتيجية أكثر دقة، وتخطيطاً تعتمد على القانون والتخطيط الحضري والسجل العقاري لفرض واقع جديد ودائم. فبدلاً من الإجراءات السريعة والمكشوفة، تعتمد على عمليات المسح والتوثيق المنهجية لسرقة الخريطة الجغرافية والقانونية للضفة الغربية المحتلة ببطء مدروس وتراكمي.

المستهدف الإسرائيلي أن تصبح هذه الممارسات قانونية ومؤسساتية راسخة أكثر منها ميدانية، مما يجعلها أصعب في العكس أو التراجع عنها في أي مفاوضات مستقبلية، ويُصعب بشكل كبير على الفلسطينيين استعادة حقوقهم في أراضيهم حتى لو تغيرت الظروف السياسية، ويُسرّع في الوقت نفسه تهجير عشرات المجتمعات الرعوية الفلسطينية في المنطقة «ج» التي تعاني بالفعل من قيود بناء صارمة، وهدم منازل متكرر، ومصادرة مراعٍ ومصادر رزقها اليومي.

تتزامن هذه الخطوة مع سياسة أوسع تقودها حكومة بنيامين نتنياهو، تركز على إدارة الصراع عبر ترتيبات مرحلية طويلة الأمد دون حسم نهائي لمسألة السيادة، ويبدو أن عملية تسجيل الأراضي جزء من استراتيجية أعمق تنقل مركز الثقل من إدارة عسكرية قابلة للتغيير إلى منظومة قانونية وإدارية راسخة تُنتج واقعًا يصعب تعديله مع مرور الوقت، وتُفاقم الخسائر الاقتصادية الهائلة التي يتكبدها الشعب الفلسطيني منذ عقود بسبب حرمانه من الموارد الطبيعية والزراعية في المنطقة «ج».

مسار سياسي أمريكي

في أقل من أسبوع على مصادقة الحكومة على الخطة، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجتماعًا افتتاحيًا لمجلس السلام في 19 فبراير، وهو إطار أطلقته الإدارة الأمريكية لتنفيذ خطتها الشاملة لإنهاء الصراع في غزة. أظهر هذا التزامن المفارقة الصارخة بين مسار سياسي أمريكي يركّز على إعادة ترتيب الوضع في غزة، ومسار إسرائيلي يعيد تشكيل خريطة الملكية والسيطرة في الضفة الغربية المحتلة بطريقة تُفرغ أي حل سياسي شامل من مضمونه.

تقوم خطة ترامب على وقف إطلاق نار هش، ونزع سلاح الفصائل في غزة، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وإطلاق برنامج إعادة إعمار بتكلفة تتجاوز 17 مليار دولار، مع نشر قوة استقرار دولية. مع ذلك، تفصل الخطة عمليًا بين غزة والضفة، مع إبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة في الضفة، ما يصطدم بشدة بالتحولات القانونية الجارية هناك.

في المقابل، تركز الإدارة الأمريكية على ملف غزة وبناء إدارة جديدة، تعمل إسرائيل على إعادة توزيع الملكية في الضفة على نطاق واسع، ما يعقد أي مسار سياسي مستقبلي لإنشاء دولة فلسطينية متصلة، ويهدد بتحويل الحلم الفلسطيني إلى كانتونات معزولة.

أعلن ترامب في مقابلات إعلامية، منها مقابلة مع موقع أكسيوس، أنه لا يدعم الضم، وأن الحفاظ على الاستقرار في الضفة يخدم السلام الإقليمي. لكن التقارير الدولية، بما فيها رويترز ونيويورك تايمز، اعتبرت أن نقل صلاحيات التخطيط وتفعيل تسجيل الأراضي يمثل نمطًا من الضم الزاحف عبر أدوات بيروقراطية، بدل اتخاذ قرارات سياسية مباشرة.

ويحذر تحليل صادر عن مركز أبحاث تشاتام هاوس (لندن) في 20 فبراير 2026 من أن خطة ترامب تخاطر بإنتاج «غزتين منفصلتين وضفة ملحقة»، مما يجعل الدول العربية، والأوروبية مطالبة بممارسة ضغط حقيقي على واشنطن قبل فوات الأوان، خاصة أن بعض الدول العربية المشاركة في إعادة الإعمار ربطت مساهماتها بوجود أفق سياسي شامل، وليس بمعالجة منفصلة لغزة.

في المحصلة، تكشف خطة تسجيل الأراضي عن تحول عميق وخطير في أدوات إدارة الصراع، إذ تعتمد إسرائيل على القانون والتخطيط والسجل العقاري لإنتاج واقع دائم يُحرم الفلسطينيين من أراضيهم تدريجيًا ويُسرّع تهجيرهم ويُفاقم خسائرهم الاقتصادية الهائلة.

وفي الوقت الذي تسوّق فيه مشاريع إعادة الإعمار والسلام في غزة، تعيد الحكومة الإسرائيلية رسم الخريطة القانونية للضفة بهدوء عبر إجراءات متراكمة، ما يفتح نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية شاملة عادلة، أم نحو نموذج جديد لإدارة الصراع وتثبيت وقائع طويلة الأمد على الأرض تُنهي فعليًا أي أمل في دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقلة.

اقرأ أيضاوزير الخارجية يؤكد على ثوابت الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية

ماذا وراء التصريحات الخطيرة للسفير الأمريكي في «إسرائيل»؟

رئيس الوزراء: يجب تمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم