أخبار العالم

دراما الحلقات الأولى.. رهان جديد على جذب انتباه الجمهور – الأسبوع


«البدايات هي أجمل ما في الحكايات.. لأنها مليئة بالاحتمالات»، هكذا قال الشاعر نزار قباني، و«كل بداية تحمل سحرًا خاصًا»، بحسب الشاعر الألماني هيرمان هسه، وبين العبارتين جاءتنا دراما رمضان هذا العام، ببدايات ذات سحر خاص، واحتمالات لا نهائية، ووعود بقضاء «أوقات فرجة ممتعة» تطفئ عطش الملل، وتنفض غبار الروتين، وتأتي بحبكات مشوقة تمسك بتلابيب المشاهدين، ولا تتركهم إلا مع تتر النهاية.

الاحتمال هو جوهر الدراما، والحلقة الأولى ليست وعدًا بما سيحدث فقط، بل بما يمكن أن يحدث، وفي رمضان تأخذ البدايات شكل «طقس جماعي»، ليست الدراما فيه للفرجة فقط، ولكن للتجمع والصحبة واقتناص وقت مستقطع من ضجيج الحياة، حيث تتجه الأنظار للشاشات، ويبدأ المشهد الأول من كل حلقة كأنه «طرق خفيف على باب الوعي»، فتنهمر الأسئلة في عقول المتفرجين: «هل سندخل هذا العالم؟ هل سنثق بهذه الشخصيات؟ هل سنمنحها ثلاثين ليلة من أعمارنا؟»، فالحلقات الأولى من كل مسلسل ليست مجرد تقديم شخصيات ورسم خطوط درامية وسرد حكايات، ولكنها لحظة «إعلان رؤية»، يترقب الكل «ولادة شخصيات»، و«خلق أحداث»، ومثلما يحدد أول بيت في القصيدة موسيقاها، فإن أول كل حلقة، وربما أول مشهد، يحدد إيقاعه، وقد يحدد ما إذا كنا سنكمل مشاهدة المسلسل، أم يشهد الريموت ضغطة زر، للأبد!

البدايات في الفن، كما في الحياة، ليست «بريئة»، هي لحظات مشحونة بالرهان، رهان على جذب انتباه الجمهور، و«تصديقه للحكاية»، و«اقتناعه بالشخصيات»، وفي زمن تتدافع فيه الدراما، وتتصارع على «الوجود» في خريطة الفرجة، تتعقد مهمة الحلقة الأولى، فهي «بداية الحكاية»، و«أول رسالة»، و«أول طلب» لقبول الفرجة، وقبول «بدء المسير في الرحلة»، وفي رمضان تتعقد المهمة أكثر، فالبيوت مضاءة، والموائد انفضت، والعائلة والأصحاب في حالة تجمع، والصمت الذي يسبق عرض الحلقة الأولى، يشبه انتظار رفع الستار في حفل الست أم كلثوم، لكن الفرق هنا، أن «مجهول أول حلقة» غير مضمون التوحد معه، بعكس «الست» التي ينحني أمامها الوجدان، بمجرد ظهورها.

وإذا اقتبسنا من كتاب «فن الحرب» لصاحبه «سون تزو»، فكرة أن «المعركة تُحسم قبل أن تبدأ»، سنفهم أن علاقة العمل بالجمهور يتم حسمها منذ الحلقة الأولى، قبل تعقد الخيوط، ففي المواسم العادية، تشبه الحلقة الأولى «ضربة استباقية»، من يكسبها يضمن «استمرار الحديث عنه»، ومن يخسرها يدخل في دائرة التبرير «لسه الأحداث هتسخن»، ولكن جمهور رمضان «لا صبر له»، يحكم مبكرًا، وتكتب السوشيال ميديا تقاريرها عقب انتهاء أول حلقة، وربما في منتصفها، ولعل اختيار يوسف الشريف هذا الكتاب «العبقري»، فن الحرب، مدخلًا واسمًا لمسلسله العائد به بعد غيبة، لم يكن صدفة، وربما يمكننا «إسقاطه» على معظم مسلسلات الموسم، تصوروا!!!

الحلقة الأولى «معركة»، سباق على الفوز بـ«لحظة انتباه» من جمهور باحث عن حكاية تشبهه، أو تهرب به من نفسه، ولو عدنا لكتاب «فن الحرب»، سنجد أن الحلقة الأولى تجسد مبادئه: أولها «اعرف نفسك واعرف عدوك»، في ملحمة «رأس الأفعى» عرف العمل «هويته»، وعرف «العدو» الإرهابي، العقل المدبر لجماعة الإخوان، محمود عزت، الذي جسد شخصيته شريف منير، باقتدار، وثانيها «أفضل انتصار يتحقق دون قتال»، بالذكاء والمناورات والمعلومات، ومبدأ «إذا أردت إسقاط عدو، فاضرب مركز قيادته» يتجلى بداية من العنوان، بضرب رأس الأفعى، ومن مبادئ «سون تزو»: الحرب خدعة، والدراما هنا تُبنى على التمويه، والمفاجآت، وقلب التوقعات، وعدم تقديم الحقيقة دفعة واحدة، بل تكشفها كخريطة تُفتح بالتدريج، وفي كتاب «فن الحرب»: أخطر الأعداء من يعمل في الخفاء، وهي هنا الجماعة الإرهابية، واحتشدت الحلقة الأولى بتوليفة تشويقية من تفجيرات، واقتحامات، ومراقبات، ولحظات كشفية تنويرية من الأجهزة الأمنية التي يمثلها أمير كرارة وأحمد غزي وكارولين عزمي، ثلاثي استطاع منذ أول حلقة، التغلغل في الوجدان، بأداء راقٍ وبناء درامي يحترم عقلية المشاهدين، تكريسًا لفكرة أن «أخطر المعارك.. تلك التي لا يراها أحد»!

المبادئ نفسها، جسدها يوسف الشريف، في مسلسله «فن الحرب»، منذ الحلقة الأولى، بتعريف متسارع للشخصيات، عرف الجمهور هوية البطل، الذي حقق انتصارات بالدهاء والتخطيط، وجمع المعلومات عن «شركائه الثلاثة»، دنيا سامي وإسلام إبراهيم ومحمد جمعة، في مواجهة العدو (ريم مصطفى).

بينما حاول صناع «فخر الدلتا» استغلال نجاح اليوتيوبر أحمد رمزي، ولكن «طوفان الإيفيهات» ربما يفلح في السوشيال ميديا، أما الدراما فلا، خاصة مع الفكرة المستهلكة لرحلة الطموح من الريف إلى المدينة، كما حشد «أولاد الراعي» كل شيء في الحلقة الأولى، داخل القصور فاحشة الفخامة، فكانت «التخمة» سيدة المشهد، في الوقت الذي ضرب أحمد العوضي نظرية «الدهشة» في مقتل، بكشف كل أوراقه «المتوقعة»، و«المحفوظة» في «عالمه الدرامي» من أحداث، وكادرات، ومعارك، وعضلات، ونظرات، ونبرة صوت، وظلم، وجدعنة، وحتى أغنية «رحمة محسن»، في متن الحلقة الأولى من «علي كلاي»!

غرد مسلسل «اتنين غيرنا» خارج سرب التقليدية، وأخذ الجمهور من أول حلقة، في رحلة تعاطف وتوحد مع البطلين، دينا الشربيني وآسر ياسين، بدءًا من «تتر المقدمة» بصوت أنغام، ثم الافتتاحية خفيفة الظل، مرورًا بلقطات الفلاش باك المؤثرة، جراح نفسية عميقة في لقطات متوازية، شدت القلوب، قبل الأذهان، لمعرفة المصير المشترك الذي ينتظر البطلين، وعرف المشاهدون «هويتهما»، وعرف «عدوهما»، وهو «تروما الماضي»، وذكرياته المؤلمة التي ما زالت تلقي بظلالها على حاضرهما، في مسلسل ذكي، لا يصرخ لجذب الانتباه، بل يكفيه مشهد صادق، أو «جملة حوارية» تلامس وجعًا حقيقيًا، بينما اختار صناع «عين سحرية» التمهيد بـ«الصدمة»، ووقوع جريمة قتل تضع البطل (عصام عمر) في ورطة، وتضع المتفرج في حالة توتر، ليبدأ مشوار الصراع والتعاطف، والتأكيد على أهمية «معرفة الأرض والعدو»، فالبطل هنا يرى ما لا يُرى، لديه «عين سحرية» هي كاميرات المراقبة، تضعه في مأزق اتخاذ قرار بين إخفاء الجريمة، أو الإبلاغ عنها، وهي معركة بينه وبين نفسه.

في «مناعة» ظهر الصراع الاجتماعي منذ الحلقة الأولى، ورغبة الأبطال في تغيير أوضاعهم الاقتصادية، في الحارة الشعبية، وهي نفس المكان الذي اختاره «درش» مركزًا للصراع «الداخلي» بين البطل وذاته، بين ماضيه وحاضره، مصداقًا لمبدأ «سون تزو»: «إذا عرفت نفسك ولم تعرف عدوك، فلك نصف النصر».

أما مسلسل «كان يا ما كان»، فتتجسد أزمة هوية داخلية للبطلة (يسرا اللوزي) التي تشعر بالاغتراب مع زوجها (ماجد الكدواني)، وتفاجئ المشاهدين بأنها «رحلت» لمجرد أن زوجها لم يستيقظ مبكرًا في عيد ميلادها ليقول لها «كل سنة وأنت طيبة»، وبرغم تجهيزه «حفلًا مسائيًا»، تفاجئ الحاضرين بأمنية «الطلاق»، وهي تطفئ الشموع، في قرار تكتيكي لمواجهة «عدو الروتين»، لتؤكد لنا مبدأ «الحرب الحديثة ليست صراعًا بالسلاح، بل مع الصورة التي نراها لأنفسنا في المرآة»!

تعددت مدارس «الحلقة الأولى» في دراما رمضان، وتأرجحت بين «الاستعراض»، و«الخوف»، حيث وقع بعض المسلسلات في «فخ الاستعراض»، وحشد «كل المتناقضات» كـ«وجبة ثقيلة» تصيب بالتخمة، من إقحام معارك، وأغانٍ، وسفر، واستدعاء ذكريات، وأحلام، ووقوع جرائم، وسقوط ضحايا، بإيقاعات لاهثة وموسيقى صاخبة، زاغت معها الأبصار، بينما وقع البعض الآخر في «فخ الحذر الزائد»، وبدا بناء الشخصيات بطيئًا، وكأن الأحداث تسير «على ظهر سلحفاة»، خوفًا من «كشف الأوراق»، و«فقد حرارة اللحظة»، وهو رهان ربما يجدي لـ«ربات البيوت»، ولكنهن غالبًا يقضين الشهر في المطبخ، ولا يجدن وقتًا لدراما رمضان، وأخيرًا.. .إذا لم تجب الحلقة الأولى عن سؤال «لماذا نهتم؟»، فلن تنقذها بقية الحلقات!!

اقرأ أيضاأبطال «رأس الأفعى» يتحدثون لـ«الأسبوع».. أمير كرارة: أحداث حقيقية لتوعية الجيل الجديد

موعد عرض مسلسل صحاب الأرض الحلقة 6 والقنوات الناقلة

ماجد الكدواني: لا يوجد شرير بـ «كان ياما كان» ولكل طرف مبرراته