أخبار العالم

الإمام الليث بن سعد (2-4) – الأسبوع


الإمام الليث بن سعد (2-4)

طارق عبد الحميد

طارق عبد الحميد

استكمالاً لحديثنا عن الإمام الليث بن سعد في الحلقة الأولى، نجد أنه مما روي عن ورع الليث أنه لم يكد يكمل السابعة عشرة من عمره- وهو ما زال يدرس بجامع عمرو بن العاص- حتى توفي والده، فعاد إلى القرية (قلقشندة- القليوبية)، ليرعى شئون أسرته، لا سيما، وهو الأخ الأكبر، ولكي يرتب أمور الجميع، حتى يستطيع أن يوازن بين تلك المسئولية، وطلب العلم.

ولكنه فوجئ بتعنت من والي المنطقة (القليوبية)، حيث قام الليث بإصلاح منزلهم الذي تهدم بعضه نهارًا، وفي الليل يأتي رجال الوالي لهدم ما بناه، وقد تكرر الأمر لثلاث ليالٍ متتالية. وهنا، بات الليث الليلة الثالثة مهمومًا داعيًا الله أن يُفرّج همه، فجاءه منادٍ يقول: اقرأ قوله تعالى: “ونريد أن نمّن على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين” (القصص: 5)، ففعل.. وفي الصباح انتشر خبر إصابة الوالي بمرض عضال، وما هي إلا أيام قلائل، وقد رحل عن الدنيا، موصيًا بألا يتعرض أحد أبدًا لليث بن سعد.فذاع الخبر بين الناس بالقرية، وما حولها، وحتى في حلقات العلم بين زملائه بجامع عمرو حتى قال أحد زملائه: “إن الله دافع عن الليث.. إن الله يدافع عن الذين آمنوا”.

أما الحكايات التي تُروى عن ثراء الليث، وغناه، وكيف ينظر للمال باعتباره من زينات الدنيا كما قال الله- تعالى-، فقد كانت لليث ضياع متعددة سواءً في قريته، أو في الفرما (بورسعيد)، وكان دخله السنوي منها يزيد عن الـ(20) ألف دينار، وأُشتهر عنه أنه لم يدفع زكاة قط عن أمواله، لسبب بسيط أنه لم يكن يحتفظ بأي أموال، بل ينفقها جميعًا لوجه الله على الفقراء والمساكين والمحتاجين، فضلًا عن أهله وأقاربه، وكذلك طلبة العلم من معلمين وطلاب بجامع عمرو.

وقد عُرف عنه أنه يطعم يوميًا (300) من المساكين، هذا غير إطعام الأقارب والأصحاب، وحين أقطعه الخليفة هارون الرشيد إقطاعية الجيزة بالكامل، بات دخله السنوي يتجاوز الـ(100) ألف دينار، وكان- كعادته- ينفقها جميعًا، لدرجة أنه بات يطعم (300) مسكين بعد كل صلاة من الصلوات الخمس.

طلبت منه امرأة يومًا رطلًا من العسل الذي كان نادرًا في تلك الأيام، فأعطاها مرطًا (المرط يساوي 120 رطلًا)، وحين سأله خادمه: كيف تطلب المرأة رطلًا فتعطيها مرطًا، فأجابه: “لقد سألتني على قدر حاجتها، وقد أجبتها على قدر حالي”، في إشارة إلى اعترافه بفضل الله عليه، وأن المال خُلق لإسعاد الآخرين ما استطاع إليه سبيلاً، ويكفي أنه، وأهله في نعيم وسعة من العيش، وما زاد عن ذلك فهو للناس.

أرسل إليه يومًا صديقه الإمام مالك من المدينة أن عليه دينارًا كديّن (آنذاك كان الدينار ذا قيمة، إذ به يمكن شراء دابة)، فأرسل إليه (500) دينار. كما أنه كان يرسل في السنة (100) دينار لمالك.

كما روي بعض أصحابه أنهم كانوا بالمدينة المنورة، وأرادوا الدخول على الإمام مالك، فلم يُسمح لهم، فقالوا: ما هذا كصاحبنا، وحين سمع مالك بهذا القول، استدعاهم، وسألهم: من هو صاحبكم؟، فردوا: الليث بن سعد.وهنا، قال مالك: تشبهونني برجل كتبت إليه في قليل من عصفر مصر نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذ إلينا منه ما صبغنا منه ثياب صبياننا، وثياب جيراننا، وبعنا الفُضل بألف دينار؟ (وكان الليث قد أرسل لمالك حِمل (30) بعيرًا).

كذلك، روى بعض أصحابه: “عدنا مع الليث من الإسكندرية عبر النيل، وكانت معه ثلاث سفائن، واحدة فيها مطبخه، والثانية فيها أهل بيته، والثالثة فيها أصحابه، وحين كان يحين وقت الصلاة كان ينزل ليصلي على الشاطئ”.. .وللحديث بقية.