في الأوقات العادية تقاس قوة الناس بما يملكون من أسلحة وثروات، أما في أوقات الأزمات تقاس بما لديهم من معرفة، والوعي ليس كلمة تنطق بصوت، ولا صوتاً مرفوعاً في محفل، ولكنه نور خفي يجعل الإنسان يميز بين الحق والباطل، بين الوطن والفوضى، بين الألم المؤقت والانهيار التام.
خاضت مصر في السنوات الأخيرة واحدة من أخطر الحروب التي عرفها العالم، حرب لم تكن الدبابات فيها وحدها في الميدان، بل كانت العقول والقلوب والعقول هي ساحة المعركة الحقيقية. لقد كانت حربًا تدور رحاها بالكلمات والصور والإشاعات، وتُبث على الصور والهواتف والمواقع الإلكترونية المجهولة. كان هدفه أن يفقد الناس الثقة في أنفسهم، وأن يتحول التعب إلى يأس، والخلافات إلى كراهية، والمشاكل المالية إلى تدمير الحكومة من الداخل.
كانت الأمور رهيبة، مع ارتفاع أسعار المساكن إلى عنان السماء، والأزمة العالمية التي تعصف بالاقتصاد، والمنطقة المشتعلة من كل جانب، والحروب الحدودية، وسقوط البلدان في الفوضى، والأصوات التي لم تتوقف قط عن نشر الخوف واليأس. وبدا المشهد وكأن المنطقة بأكملها تقف على طبق ساخن، وأن المصريين تحت المراقبة للإرهاق الذهني قبل أي شيء آخر.
لكن المصريين، الشعب الذي مر بأنواع المشاكل منذ آلاف السنين، أدرك بشكل طبيعي في مواجهة السياسة أن الدول لا تسقط بالجنود فقط، بل تسقط عندما يُهزم ضمير شعوبها.
لقد أدرك الناس أن هناك فرقاً بين الإدانة والهدم، بين الرغبة في الإصلاح والدعوة إلى التدمير، بين التعبير عن الألم وتحويل الألم إلى وقود بلبلة. وأدركوا أن الأشرار لا يراهنون على السلطة الحقيقية بقدر ما يراهنون على إنهاك روح الوطن ونشر الأفكار العاجزة حتى يفقد المواطن الثقة في وطنه ومستقبله.
مع كل شائعة، نمت المعرفة الشعبية بشكل كبير. بدأ المصري العادي يسأل قبل أن يؤمن، ويفكر قبل أن يهرب، ويقارن ما قيل بما رآه على الأرض. ورأى كيف تحولت الدول المستقرة إلى ساحات للدمار مع تلاشي العقل وتزايد أصوات المعارضة. وأصبح مخلصاً جداً لفكرة الحكومة، وكان يعلم جيداً أن الحفاظ على بلاده ليس أمراً سياسياً، بل لابد من وجوده.
ولعل أعظم ما في هذه الحرب هو أن من انتصر في هذه الحرب لم يكونوا النخب فحسب، بل المواطنون العاديون، والعمال الذين يعملون بجد رغم ارتفاع الأسعار، والأمهات اللاتي يحملن أعباء الحياة بصبر، والشباب الذين رفضوا أن يكونوا أسلحة لحملة هدم الأخلاق، والجنود الذين يقفون على الحدود بينما العالم كله يواجه حربا من نوع آخر.
لقد أدرك المصريون أن الصبر ليس ضعفا، وأن الوحدة في وقت الشدة هي بطولة غبية، وأن الأمم لا تبنى في وقت الرخاء، ولكنها تحميها أيضا في وقت الشدة. ولهذا ظلت مصر صامدة رغم النار والفوضى والمؤامرات التي أحاطت بالمدينة.
الحرب على الوعي لم تنته بعد، لأنها حرب مستمرة ما دام هناك من يحاول اختطاف الأفكار أو تزييف الواقع. لكن ما تم اكتشافه يثبت أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بحكمة التاريخ التي تجعلهم قادرين على البقاء على قيد الحياة عندما يظن الآخرون أنهم على وشك السقوط.
فانتصر المصريون، ليس لأنهم لم يشعروا بالألم، بل لأنهم رفضوا تحويل الألم إلى هزيمة.
انتصر لأنه أدرك أن بلاده مهما بلغت مشاكلها من صعوبة هي السفينة الوحيدة التي تعلق والجميع يغرق.
أنا ممتن من أعماق قلبي لشعب هذا البلد الذي تغلب على العاصفة والأجندة السوداء.
اقرأها مرة أخرى“ذاكرة النكبة” تكسر القيم الأميركية
شيخ الأزهر يؤكد على ضرورة وجود أهداف إعلامية تساعد في رفع مستوى الوعي حول العالم.
