أخبار العالم

المؤامرة الكبرى على مصر.. من مياه النيل إلى باب المندب!! – الأسبوع


المؤامرة في عالم السياسة الحديثة لم تعد تسيطر عليها القوى العسكرية والأسلحة التقليدية، بل باتت تسيطر عليها خرائط القوة والطرق البحرية والحروب الاقتصادية والارتباك بين الدول وخلق الارتباك الإعلامي والنفسي. ومن يتأمل ما يحدث حول مصر في السنوات الأخيرة يدرك أن القاهرة تواجه أحد أخطر المواقف السياسية في تاريخها الحديث، فمصر ليست دولة عادية في المنطقة، لكنها تمثل قلب العرب، وسر السياسة بين آسيا، وإفريقيا، وأوروبا.

لم يعد مظهره عشوائيًا أو عشوائيًا. إن ما يحدث في إثيوبيا والسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وغزة ليس حادثة منعزلة، بل هو حادثة ضمن مشروع إقليمي ودولي كبير لإعادة بناء المنطقة بأكملها، بما يضمن اختزال عمل مصر وإضعاف مسارها وتاريخها.

وكانت المراحل الأولى للمشروع واضحة للعيان في ملف مياه النيل. ولم يكن السد الإثيوبي مشروعًا تنمويًا لتوليد الكهرباء كما حاول البعض تفسيره، لكنه تحول إلى ورقة قمع سياسية تستهدف أمن دولة مصر بشكل مباشر. بالنسبة للمصريين، المياه ليست ترفًا، بل هي مسألة وجود. ولذلك، بذلت الجهود لحل المشكلة وإطالة أمد المفاوضات، في وقت تحاول الجهات الإقليمية والدولية تثبيت واقع في نهر النيل، بهدف نقل مركز الطاقة المائية بعيداً عن القاهرة.

لكن الأخطر من أزمة المياه نفسها ما حدث ويحدث في السودان. فالسودان يمثل العمق الطبيعي لمصر، وأي تمزق فيه يفتح باب الخطر على حدود مصر الجنوبية. إن ما يحدث لم يعد صراعاً داخلياً بين الفصائل المتحاربة، بل تحول إلى استراتيجية أوسع لبلد كان من أكثر ركائز نهر النيل استقراراً. نهاية السودان تدعم بشكل مباشر أي عملية تريد تطويق مصر جغرافيا واستراتيجيا، وخلق الفوضى من القرن الأفريقي إلى الحدود الليبية.

وفي القرن الأفريقي، تتكشف صورة مخيفة للغاية. ولم يعد الصراع من أجل النفوذ، بل من أجل السيطرة على الشحن العالمي. منطقة أرض الصومال، التي تريد الاستقلال، أصبحت فجأة جزءًا رئيسيًا من وسائل النقل الإقليمية والدولية، بفضل موقعها المواجه لمدخل باب المندب، أحد أهم الشرايين في العالم. إن السيطرة على هذه المنطقة تعني امتلاك القدرة على جذب تدفقات التجارة والطاقة القادمة عبر قناة السويس.

وهنا يتجلى الجزء الأخطر من الوضع، إذ أن هناك من يعمل على إيجاد بدائل تقلل من أهمية قناة السويس، إما عبر طرق بحرية جديدة، أو عبر خدمات النقل والكهرباء التي تربط الهند بالشرق الأوسط ثم بحيفا، ضمن ما يعرف بالممر الاقتصادي الجديد. ومع ظهور قضايا الخطوط الملاحية من الخليج إلى الموانئ الإسرائيلية، ومحاولة تحويل ميناء حيفا إلى مركز إقليمي آخر، فمن الواضح أن الحرب لم تعد عسكرية، بل اقتصادية وسياسية، والتي تستهدف أحد أهم جوانب القوة المصرية.

وفي قلب هذه الرؤية يأتي الذكر المتكرر لمشروع “قناة بن غوريون” الذي يطرح بين الحين والآخر كفكرة لربط خليج العقبة بالبحر الأبيض المتوسط ​​عبر النقب وغزة، وإنشاء قناة شبيهة بقناة السويس. ورغم أن المشروع يواجه مشكلات سياسية وأمنية وجغرافية خطيرة، إلا أن بيانه الافتتاحي يوضح نمو الأفكار التي تحدث في المنطقة حول اختزال تاريخ مصر في التجارة الدولية.

ولا يتوقف هذا الأمر عند الجغرافيا، بل يمتد إلى حروب الوعي والإعلام. وعلى مر السنين، شهدنا تزايدا واضحا في عمل الألوية الإلكترونية التي تريد ضرب كل علاقة بين العرب والمصريين، من خلال الأنشطة الهدامة وإثارة الشكوك ونشر الشائعات ومحاولة خلق ثقافة الكراهية النفسية بين الشعب العربي والقاهرة. وهذه الحملات ليست عشوائية، ولكنها تحركها أهداف واضحة، أهمها عزل مصر عن العالم العربي، وتقويض نفوذها الإقليمي، وتقويض الثقة في مؤسساتها.

والخطورة هي أن هذه الحرب تعتمد على أشخاص مملين من الداخل، يحولون قنوات الاتصال إلى منتديات للفوضى العاطفية والسياسية، بحيث تصبح الأكاذيب أكثر انتشارا من الحقائق، وتصبح الشائعات أدوات لفرض رأي الناس. ولهذا السبب أصبحت حرب المعلومات أكثر خطورة من الحرب العسكرية، لأن الدول التخريبية تبدأ غالباً بتقويض ثقة الجمهور في بلدانها.

لكن رغم كل هذه الصعوبات، فإن الحقيقة الأهم هي أن مصر واجهت في تاريخها مؤامرات كبيرة وعنيفة، واستطاعت التغلب عليها لأنها دولة ذات ثقافة ومكان وعمق إنساني لا يمكن هزيمته بسهولة. وتدرك القاهرة جيداً أن أمنها القومي لا يمتد إلى ما وراء حدودها، بل أيضاً إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان وغزة وشرق البحر الأبيض المتوسط.

ولذلك فإن المرحلة الحالية ليست صراعاً سياسياً عابراً، بل هي صراع لإصلاح المنطقة برمتها. ومن يسيطر على المياه والموانئ والممرات المائية والطاقة والإعلام، فهو يملك قوة حقيقية في القرن الحادي والعشرين. وتدرك مصر أنها تخضع للتدقيق لأنها لا تزال تمثل عائقا كبيرا أمام أي جهد لتغيير المنطقة أو السيطرة على قراراتها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا:

فهل ما نراه اليوم مجرد مشاكل؟

أم أننا أمام مهمة طويلة الأمد لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال تدمير الدول الكبرى في الوسط وعلى رأسها مصر؟

محمد سعد عبد اللطيف

مؤلف وباحث في الجغرافيا السياسية والصراعات الدولية!!

اقرأها مرة أخرىمعركة الوعي.. عندما تغلب المصريون على العاصفة

الصوم المختلف (1-2)