تُظهر قضية نشر رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، مقطع فيديو في ذكرى نكبة فلسطين، التغيرات العميقة التي تحدث داخل السياسة الأمريكية، بما يتجاوز مجرد المناقشات حول المنشور أو الفيديو، إلى إعادة تعريف العلاقة بين الهوية الأمريكية، والذاكرة التاريخية، والسياسة الخارجية، وحدود الخطاب المقبول داخل المؤسسات القانونية الأمريكية.
ما حدث لا يتعلق فقط بفيلم عن النكبة، بل صراع مباشر بين روايتين تاريخيتين متعارضتين داخل واحدة من أكثر مدن العالم تعقيدًا وتنوعًا: نيويورك التي تضم عددًا كبيرًا من السكان اليهود خارج المجتمع الذي تعيش فيه، وفي الوقت نفسه واحدة من أكبر المدن العربية والفلسطينية في الولايات المتحدة.
ومن المثير للاهتمام أن الأزمة اندلعت لأن وكالة حكومية أميركية – مكتب رئيس البلدية نفسه – تبنت للمرة الأولى رواية فلسطينية معدة جيداً، بما في ذلك تصريحات انتقادية مثل “النكبة المستمرة وعلامة سر العودة”. ولا يتعلق الأمر بالتاريخ فحسب، بل بالآراء السياسية للمجتمع الذي يعيش فيه والتقاليد اليهودية في أمريكا التي تتحدى الأسس الأخلاقية والقانونية التي تأسست عليها دولة إسرائيل.
ومن هنا الغضب المحتدم من منظمات مثل اتحاد الجمعيات الخيرية اليهودية في نيويورك، الذي لم يرى في الفيديو ثقافة أو نصب تذكاري، بل كتحرك من قبل المنظمة العامة الأمريكية من السياسة التقليدية إلى تناول القضايا السياسية التي تعمل لصالح الحركة الصهيونية التي تتسبب في تهجير فلسطين.
لكن الأهم من الأزمة هو ما تكشفه عن التغيرات البنيوية داخل الحزب الديمقراطي الأميركي. أما حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا فهو جماعة تقدمية لم يعد ممداني يرى في القضية الفلسطينية ملفًا خارجيًا بعيدًا، بل كامتداد لقضايا العدالة العرقية والاستعمار والعنصرية التي تؤرق الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة.
ولهذا السبب بدأ الخطاب التقدمي الأمريكي يربط فلسطين بحركات مثل العدالة العنصرية بعد مقتل جورج فلويد، ومناهضة الاستعمار، وانتقاد الدولة الأمنية، وحقوق الأقليات والمهاجرين.
ومن ناحية أخرى، ترى المنظمات اليهودية أن هذا التغيير لا يهدد الدعم الأمريكي للمنظمة الصهيونية فحسب، بل يهدد أيضًا الموقع الرمزي والثقافي الذي تتمتع به الطائفة اليهودية داخل التحالف الليبرالي الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتعكس الأزمة أيضاً تغيرات اجتماعية وسياسية مهمة في المدن الأميركية الكبرى. وكانت الأجيال الجديدة، وخاصة التقدميين الشباب، والناخبين المسلمين، والعرب، واللاتينيين، وغيرهم من السود، أكثر استعداداً لمعارضة السياسات المرتبطة بما يسمى إسرائيل من الأجيال الديمقراطية السابقة. ولذلك فإن صورة مثل الممداني تمثل، بالنسبة لمؤيديه، مثالاً للسياسي الأمريكي الجديد، المسلم والأجنبي والاشتراكي التقدمي، والمؤيد الصريح لفلسطين، والمستعد للنضال ضد ثقافة المؤسسة القائمة. الصهاينة.
أما أعداؤها، فهي تمثل بداية تغيير جذري من انتقاد سياسات إسرائيل إلى التشكيك في شرعية وجودها، ومن الآن فصاعدا نفهم لماذا أثارت عبارة “النكبة مستمرة إلى يومنا هذا” كل هذا الغضب، لأنها تنقل النقاش من التاريخ إلى السياسة، أي التصفية، الحصار، الهروب لم يكن يعني أن الهروب لم يكن رحلة الفلسطينيين، بل كان الهروب. التاريخ، ولكن حول اليوم ومستقبل النقاش.
والأهم أن المشكلة تأتي في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة نفسها انقساماً كبيراً بين الحرب في غزة والدعم الأميركي للتنظيم الموجود فيها، وحدود حرية التعبير في الجامعات والمؤسسات العامة. في السنوات الأخيرة، أصبح من المستحيل سياسياً أن يتولى عمدة نيويورك دوراً يبدو وكأنه تعاطف عام مع القضية الفلسطينية بهذه الطريقة.
واليوم، فإن مجرد هذه الحقيقة تظهر تغيراً حقيقياً في القصة في أمريكا، على الرغم من أن القوى المؤسسية والاقتصادية والسياسية لا تزال تميل إلى حد كبير نحو ما يدعم الطبقة التي تعيش فيها. لكن ما قد لا يراه الكثيرون هنا هو أن هذا الصراع ليس مجرد صراع أمريكي، بل هو جزء من تغيير عالمي أكبر يقوم على تحول الصراع بين فلسطين وعدو إسرائيل من خلق صراعات ثقافية إلى صراع قصص ومعرفة وذاكرة داخل المجتمعات الغربية نفسها. ولهذا السبب أصبحت الجامعات والبلديات والمؤسسات ومؤسسات العدالة والمنصات الرقمية ساحات مركزية للصراع، وربما في بعض الأحيان أكثر من المؤسسات الدبلوماسية التقليدية.
تمثل نيويورك في هذه القصة قضية رمزية مهمة، لأن ما يحدث هناك غالبا ما يكون رمزا لما يحدث في السياسة والثقافة الأمريكية. السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا المقال ليس: هل أخطأ ممداني أم لا؟ بل: هل تتدخل الولايات المتحدة عندما تصبح قضايا النكبة الفلسطينية جزءًا من السياسة السائدة بعد سنوات من التهميش؟ إذا كان الجواب بنعم، فإن ما حدث في نيويورك قد يكون بداية تحول لحظي في الخطاب الأميركي حول القضية الفلسطينية، وليس مجرد أزمة وسائل التواصل الاجتماعي.
اقرأها مرة أخرىالرئيس الفلسطيني: 85% من غزة مدمرة…
سفير مصر السابق لدى إسرائيل: دولة تدعي أنها ديمقراطية ولكنها تنتهك القانون الدولي
إسرائيل تتقدم في الجنوب السوري.. حوض اليرموك يقصف عسكريا ويدخل سوق السمك
