د.طارق هلال
لم يعد الصراع الأميركي الإيراني قضية كلاسيكية مرتبطة بالبرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. في الواقع، لقد تحول عام 2026 إلى مرحلة كبرى تغير أيضًا القطاعات العالمية والإقليمية. إن ما يحدث الآن يظهر صراعاً متعدد المستويات، عسكرياً واقتصادياً وبحرياً وسيبرانياً وطاقياً، تمتد تداعياته من الخليج العربي إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا وحتى القطب الشمالي، في وقت حرج يمر به العالم وترتبط فيه الحسابات الوطنية بالمشاكل والتغيرات الاقتصادية.
تكنولوجيا عظيمة.
ورغم أن “وقف إطلاق النار” بين واشنطن وطهران يبدو قائما منذ نيسان/أبريل 2026، إلا أن الدلائل الميدانية والسياسية تؤكد أن الاتفاق أصبح هشا للغاية، خاصة مع استمرار الصراعات البسيطة، وزيادة التهديدات البحرية في مضيق هرمز، وعدم وجود تعاون حقيقي في القضايا النووية الكبرى المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا السياق، فإن كلام الرئيس الأميركي ترامب الذي هدد إيران بـ”وقت سيء للغاية” إذا لم تتوصل إلى اتفاق جديد، يؤكد أن الإدارة الأميركية لا تزال تستخدم السياسة الأكثر قسراً، رغم أنها تحاول تجنب التورط في حرب كبيرة يمكن أن تشعل المنطقة بأكملها. في المقابل، ردت طهران عبر وزير خارجيتها بأنها لن تنضم إلى المحادثات إلا إذا أثبتت واشنطن أن الأمر صعب، ما يظهر انعدام الثقة بين الطرفين.
مضيق هرمز… في قلب صراع عالمي جديد
في الأسابيع الأخيرة، أصبح مضيق هرمز مصدراً حقيقياً للمشاكل الدولية، ليس فقط باعتباره ممراً لنحو ثلث تجارة النفط العالمية، بل وأيضاً لأنه تحول إلى أداة قسرية تستخدمها إيران ضد الغرب. ويمثل إعلان طهران أنها لن تسمح بمرور الأسلحة التي قد تستخدم ضدها عبر الممر، ومن ثم حديثها عن تجهيز طريق لعبور السفن بغرامات، تغييراً خطيراً في قواعد الاشتباك.
البحرية والمالية.

وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى التواصل مباشرة مع إيران لحماية سفنها التجارية، وهو ما يظهر مستوى القلق الأوروبي من انهيار أمن الطاقة العالمي، خاصة في ظل التحذيرات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية بشأن تقلب سوق النفط العالمية في عام 2026 بسبب أزمة هرمز.
ولم يعد تأثير هذه الأزمة يقتصر على أسعار النفط، بل امتد إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية. وبسبب التهديدات المتزايدة في الخليج، بدأت القوى الكبرى تنظر إلى القطب الشمالي كمصدر مستقبلي للطاقة والنقل البحري. وهنا تتضح خطورة التغير الجيوسياسي الجديد، لأن الصراع لا يتركز فقط على منطقة الشرق الأوسط، بل على من سيسيطرون على طرق التجارة الدولية والسلطة في العقود المقبلة.
التحرك الروسي الصيني.. ميلاد محور دولي جديد
إن الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين إلى بكين يومي 19 و20 مايو، بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، ليست مجرد حدث، ولكنها تحمل أهمية كبيرة. وتدرك موسكو وبكين أن الضغط الأميركي المستمر على إيران يفتح الباب أمام إصلاح كامل للنظام الدولي. وترى روسيا في الأزمة فرصة لإضعاف وإنهاء القوة الأمريكية في عدة مجالات، بينما ترى الصين أن استقرار الخليج مسألة مباشرة تتعلق بالأمن القومي مرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية. ولهذا تتحرك بكين بحذر شديد، لأنها تدعم طهران سياسيا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انفجارا كبيرا يهدد الاقتصاد العالمي. لذلك، يمكن فهم تحركات الصين الأخيرة، والإعلان عن الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال زيارة ترامب، على أنها محاولة للموازنة بين التصعيد والتحفظ، والخلاف التام مع كل طرف.
إسرائيل وسط تزايد المخاوف الأمنية وعلى الخطوط الأمامية
وفي هذا السيناريو تبدو إسرائيل من أصعب الأطراف وأكثرها إثارة للقلق. هاجم وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن جفير، المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال، وما أعقبه من عقوبات عربية ودولية، يظهر محاولة إسرائيل إعادة فرض القيود على المعادلات الداخلية والخارجية. وفي الوقت نفسه، فإن إعلان إسرائيل عن مقتل عز الدين الحداد، زعيم الجماعة المسلحة التابعة لحركة حماس، يؤكد استمرار الحرب الأمنية المفتوحة، بل ومحاولة إرساء الاستقرار في المنطقة.
لكن الأخطر في تل أبيب هو التغيير الذي طرأ على المنطقة المحيطة. لبنان يشهد تغيرا سياسيا غير مسبوق أعلن الرئيس اللبناني جوزف عون عن إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، مما يشير إلى استعداد بيروت للتخلي عن دائرة النفوذ الإيراني واستعادة فكرة القومية. في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحاول الحصول على الجانب الشمالي من خلال تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 45 يوما، خوفا من اندلاع صراع جديد يمكن أن يستمر…
حدود السيطرة.
الولايات المتحدة… حرب بلا وحدة داخلية
وعلى الرغم من الخطاب الأميركي الجريء، فإن أميركا ذاتها منقسمة بشدة بشأن الحرب ضد إيران. والسؤال الذي يطرح بقوة في الأوساط السياسية الأميركية هو: لماذا لا يستطيع الكونجرس أن يوقف هذه الحرب؟ الجواب يكمن في مشاكل نظام صنع القرار في أمريكا، إذ أصبح لدى المنظمات الدفاعية والعسكرية قوة كبيرة في السيطرة على الملفات الخارجية، خاصة في الأمور المتعلقة بالأمن القومي والطاقة. تريد إدارة ترامب أيضًا الاستفادة من الأزمة لإعادة ترسيخ صورة القوة الأمريكية في العالم، خاصة مع تزايد مشاكل الصين وروسيا.
وفي هذا السياق، أظهر قرار البنتاغون وقف إرسال القوات الأميركية إلى بولندا بعد سحب قواتها من ألمانيا، تغيراً في أولويات نشر القوات الأميركية، فضلاً عن التركيز على آسيا والشرق الأوسط بدلاً من أوروبا.
آسيا.. الجبهة الأخطر القادمة
وفي شرق آسيا تبدو المشكلة أكثر خطورة. ودفع خطاب ترامب المريب حول العلاقات العسكرية مع تايوان تايبيه إلى الدفاع عن تحالفها العسكري مع واشنطن، وسط مخاوف متزايدة من أن أي رد فعل عنيف من الولايات المتحدة قد يدفع الصين إلى اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية في بحر الصين الجنوبي. ولذلك فإن استقرار آسيا كان يعتمد على قدرة أميركا على منع التصعيد الإقليمي، وهو أمر بالغ الصعوبة، لأن أي تورط أميركي في حرب مع إيران من شأنه أن يجعل أمام الصين طريقاً عظيماً للتحرك.
أفريقيا والبحر الأحمر… ساحتان صغيرتان للصراع الدولي
لم تعد أفريقيا بعيدة عن التحالف الجيوسياسي الرئيسي. إن عودة القرصنة الصومالية إلى البحر الأحمر تهدد أحد أهم الطرق البحرية في العالم، خاصة مع تزايد الهجمات على السفن منذ إبريل/نيسان 2026. ويظهر إعلان سيراليون عن استقبال مئات الأشخاص المرحلين إلى الولايات المتحدة كيف أصبحت دول أفريقية أخرى جزءا من الأنظمة الدولية والهجرة والأمن. وفي الوقت نفسه، فإن تفشي فيروس إيبولا من جديد في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يظهر ضعف البنية التحتية الدولية، ويؤكد أن العالم يواجه مشاكل خطيرة تتجاوز الحروب التقليدية.
الاقتصاد العالمي.. من النفط إلى اليورو الرقمي
اقتصاديا، يبدو أن العالم يواجه مرحلة خطيرة للغاية من التغيير. أدى التغير الديناميكي للسلطة، والتهديدات التي تواجه الملاحة، والصراعات السياسية، إلى دفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع مشروع “اليورو الرقمي”، كأداة لحماية التكامل الاقتصادي الأوروبي وتقليل الاعتماد على العملات التقليدية المرتبطة بالدولار. في الوقت نفسه، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرا مهما حول صمود العمال في مواجهة المتغيرات العالمية والحديثة، مؤكدا أن الحروب الحديثة لم تعد عسكرية، بل أصبحت اقتصادية وتكنولوجية ونفسية. وهنا تظهر عناصر عالم جديد، عالم تصبح فيه البيانات والطاقة والطرق البحرية والعملة الرقمية أخطر أسلحة الحرب.
الصواريخ والطائرات.
مصر والموقف العربي.. مشاكل صعبة
وفي خضم هذه الأحداث الصعبة، تتحرك مصر وفق سياسة الاستقرار ومقاومة الاضطرابات الإقليمية. وجاءت إدانة مصر الشديدة لتفجير المسجد الأقصى تأكيدا على التزام القاهرة بالقضية الفلسطينية ومواصلة دورها التقليدي في منع التوترات الإقليمية. تدرك القاهرة أن التصعيد الأمريكي الإيراني المستمر يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي الإقليمي. ولذلك تبدو السياسة المصرية قائمة على دعم الحلول السلمية والسياسية، مع الحفاظ على قدرة الحكومة على التعامل مع أي مشاكل.
الخلاصة: إن العالم يواجه لحظة إعادة تشكيل تاريخية. ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع بين واشنطن وطهران، بل صراع حول شكل النظام العالمي المقبل. لقد كشفت الحرب الأميركية الإيرانية ضعف النظام العالمي، وأظهرت أن العالم قد دخل بالفعل مرحلة مزيد من الصراع والصراع المفتوح.
تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على قوتها، والصين تحاول استعادة قوتها، وروسيا تحاول استعادة قوتها، في حين تتحول مناطق مثل الخليج والبحر الأحمر والقطب الشمالي إلى ساحة اختبار لنظام عالمي جديد.
وفي خضم هذا التغيير، لا يزال هناك خطر كبير من أن يؤدي خطأ أو صعود غير محسوب إلى انفجار إقليمي كبير قد تتجاوز عواقبه حدود الشرق الأوسط، ويترك العالم كله أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الكبير.
لكن من ناحية أخرى، فإن نمو المصالح الاقتصادية الدولية وتعقيد الأزمة يمكن أن يدفعا القوى العظمى في النهاية إلى العودة إلى طريق التفاهم، لأن تكلفة الحرب المتزايدة كانت أكبر مما يمكن لأي شخص أن يتحمله.
