أخبار العالم

محمد المهدي يفسر الحرب النفسية بين أمريكا وإسرائيل وإيران؟ – الأسبوع


قبل بدء ما يسمى بعملية «زئير الأسد» العسكرية، المدعومة من الولايات المتحدة، السبت الماضي، لم تتوقف العمليات النفسية بين طهران من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، بتحريض إسرائيلي مباشر.

وتمهيدا للحرب، فالمشهد منذ مطلع العام الجاري يؤكد أن ما يجري يتجاوز القصف والصواريخ إلى صراع أعمق وأطول نفسًا، تتحرك فيه العقول، والمعلومات، والعملاء، والتكنولوجيا، والإعلام كأدوات مركزية للحرب.

يقدّم الدكتور محمد المهدي، رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر، عبر «الأسبوع»، قراءة نفسية وسياسية مباشرة لهذا الصراع، يرى أن ما نشهده بين الأطراف المذكورة ليس جولة عسكرية، بل معركة نفسية مستمرة، تختلف في بنيتها وأدواتها وأهدافها عن كل الحروب السابقة في المنطقة، وتعيد طرح أسئلة صريحة حول دور العلم، والجواسيس، والإعلام، وأخلاقيات الجيوش، واحتمالات الانزلاق إلى خيارات قصوى في عالم لم يعد يحاسب أحدًا.

والعام الماضي شنت الولايات المتحدة هجمات نوعية كانت عبارة عن ضربات جوية فجر 22 يونيو، ضمن ما عرف حينها بعملية «مطرقة منتصف الليل»، استهدفت منشآت «فردو، نطنز، وأصفهان النووية»، بتنسيق كامل مع إسرائيل، وباستخدام قنابل «GBU-57A/B»، المحمولة على قاذفات «بي-2»، الشبحية، في سياق الحرب الإيرانية الإسرائيلية المتصاعدة، مؤكدة دخول واشنطن العسكري المباشر بعد سنوات من الانخراط غير المباشر سابقًا.

حرب نفسية متعددة الأدوات:

وصف الدكتور محمد المهدي، ما يجري بأنه معركة نفسية منذ الضربات الأمريكية على إيران العام الماضي. يرى أن الحرب بين إيران وإسرائيل لم تتوقف حتى 2026، وأن اشتعال الاحتجاجات في طهران (قبل تراجعها، مؤخرًا)، ترافق مع تحريض علني من ترامب للشعب الإيراني. هذا السياق يؤكد أن المواجهة نفسية بالأساس، وتختلف جذريًا عن الحروب التقليدية في المنطقة، من حيث الأدوات والأهداف وإدارة الصراع، ويكشف طبيعة الضغط المتبادل طويل النفس بين الأطراف.

ويؤكد الدكتور المهدي، اختلاف هذه الحرب كليًا، فالأطراف 2+1 تفصلها مسافة جغرافية تقارب 1400 كيلومتر، ما حيّد القوات البرية والدبابات. انحصرت المواجهة في الجو عبر طائرات ومسيرات وصواريخ، تتطلب عقولًا وخبرات وتكنولوجيا واستخبارات وقرارات دقيقة. لذلك تظهر قيمة العلم والعلماء، وقد اغتالت إسرائيل تسعة علماء إيرانيين، بعد أن ضربت إيران معهد «وايزمان»، للعلوم العام الماضي، في بروفة أولى لصراع قابل للتكرار السريع وفق تقدير المهدي وتداعياته مستمرة.

وعن استمرارية الحرب النفسية، يشرح، الدكتور المهدي، بمنهج علم النفس السياسي أنها مواجهة دائمة. تلعب فيها شبكات العملاء والجواسيس دورًا حاسمًا، خلاف الاعتقاد بتراجع العنصر البشري أمام التقنية. أثبت الصراع أن زرع الخلايا النائمة يمنح قدرة على اختراق العمق، واستهداف مواقع حيوية وقيادات مؤثرة، بما يغيّر مسار الصراع دون معارك مباشرة، ويؤكد أن هذا المسار سيستمر ما غابت المحاسبة الدولية وتراجعت كوابح الردع التقليدي في المنطقة.

التكنولوجيا تؤثر على السلاح الثقيل:

ينبه الدكتور محمد المهدي، على أن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة فرضت نفسها كعنصر حاسم في الحروب الحديثة، بعدما جعلت الدبابات والعربات المصفحة أهدافًا سهلة ومنخفضة الكلفة. هذا التحول أنهى مركزية السلاح الثقيل، وغيّر منطق الحسم العسكري القائم على الاحتكاك المباشر والسيطرة الميدانية الطويلة، لمصلحة الشلل السريع والضرب عن بعد بدقة عالية، وبخسائر محدودة نسبيًا على الطرف المهاجم وفق تقديره التحليلي لطبيعة هذه المرحلة الجديدة من الصراع.

يشرح الدكتور المهدي، أن الذكاء الاصطناعي أصبح العقل المدبر للمعارك الحديثة، عبر إدارة العمليات السيبرانية، والتشويش الإلكتروني، وبث رسائل مضللة تستهدف وعي قيادات الخصم وقواته من خلال المنصات الرقمية. هذه الأدوات تمنح أفضلية حاسمة لقوى أقل عددًا، وتقوض تفوق الجيوش التقليدية المعتمدة على الحشود البشرية والتسليح الثقيل القديم، في تحول يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية وفق ميزان المعرفة والتحكم بالمعلومات والزمن والقدرة على الخداع المنهجي الممنهج.

يركز الدكتور المهدي، على أن استهداف المدنيين تحول إلى أداة ضغط نفسي مقصودة في إدارة الصراعات الراهنة. قصف الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس وأماكن الإيواء بات ممارسة مكررة دون محاسبة دولية. الهدف كسر الروح المعنوية للشعوب، ودفعها لمواجهة قياداتها، وإرسال رسالة قوة قائمة على القسوة المفتوحة كما يكشفه نموذج غزة بوضوح حاليًا، في ظل غياب ردع فعال وتراجع الأخلاق العسكرية التي كانت تحكم سلوك الجيوش تاريخيًا سابقًا.

النووي خيار اليأس والهزيمة الساحقة:

يرى الدكتور المهدي، أن الحروب الحديثة، بسبب عجزها عن الحسم النهائي، تفتح الباب أمام إغراء خطير يتمثل في اللجوء إلى السلاح النووي عند اليأس أو الهزيمة الساحقة. هذا الخيار، رغم كلفته الكارثية على الجميع، لم يعد مستبعدًا نظريًا. ويؤكد أن مجرد حضوره في الحسابات الاستراتيجية يعكس مأزق النظام الدولي، ويكشف هشاشة الضوابط الأخلاقية والسياسية التي كانت تحكم استخدام القوة القصوى سابقًا.

ويحذر الدكتور المهدي، من الاعتماد على مصادر تسليح خارجية، لأن المنتج قد يمتلك شفرة تشغيل أو تعطيل السلاح، أو يزرع عناصر تجسس داخله. كما يمكنه التحكم في قطع الغيار والصيانة والفاعلية، أو تسريب الأسرار للخصم. لذلك يشدد على ضرورة امتلاك سلاح وطني نوعي يناسب ظروف الدولة، مع خطوط إنتاج مستقلة وقدرة فورية على التعويض والإصلاح أثناء الحرب دون ابتزاز خارجي.

ويشرح الدكتور المهدي، مبدأ «قوة الضعف وضعف القوة»، حيث يمكن لجيش أقل إمكانات أن يهزم خصمًا أقوى إذا أحسن استغلال عنصر نوعي أو ثغرة حاسمة. وفي المقابل، لا يوجد جيش محصن بالكامل مهما بلغ تفوقه. هذا المنطق يحكم الصراعات المعاصرة، ويجعل النصر مرتبطًا بمرونة التفكير ودقة الاختيار، لا بحجم الترسانة وحده أو عدد الجنود المنتشرين.

وعن دور الإعلام، يؤكد الدكتور المهدي، أنه أصبح سلاحًا نفسيًا حاسمًا. التلفزيون ووسائل التواصل تنقل الحرب مباشرة بين طهران والقدس وواشنطن، ما يؤثر على معنويات الجيوش والجماهير. في المقابل، تنتشر الشائعات والأكاذيب لتقويض الثقة وتحطيم القرار. ويرى أن المنظمات الدولية فقدت تأثيرها، وتحولت إلى كيانات استنكار ونصح، في عالم غارق في أزمته الأخلاقية والسياسية الراهنة.

اقرأ أيضاًضربة مشتركة تُسقط قمة الهرم في طهران.. من يقود إيران الآن بعد مقتل المرشد وكبار القادة؟

الحرب الراهنة والنتائج المتوقعة ستكون كارثية على المدنيين والاستقرار الإقليمي

بعد تقارير اغتياله.. إيران تكشف مفاجأة جديدة عن مصير المرشد الأعلى الإيراني