د.طارق هلال
وفي الوقت الأكثر أهمية الذي يمر به العالم، يبدو أن مشاكل العالم تتحرك داخل غرفة العمل نفسها، حيث ترتبط السياسة بالأمن والطاقة والاقتصاد، والتكنولوجيا مع الحكم الرشيد. إن الأحداث الحديثة لا تظهر أحداثا خاصة فحسب، بل تظهر جزءا من إعادة هيكلة النظام الدولي، الذي تتصارع فيه القوى الرئيسية على النفوذ والممرات المهمة ومصادر القوة ومفاتيح التكنولوجيا الحديثة.
وفي الشرق الأوسط، تتزايد بوادر التصعيد مع التحذيرات الأميركية المتكررة لإيران، فيما رفع دونالد ترامب سقف التهديدات، مؤكدا أن «الوقت ينفد» أمام طهران للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، في رسالة تحمل أبعادا سياسية وعسكرية واقتصادية في الوقت نفسه. وتتزامن هذه الزيادة مع استمرار القلق العالمي بشأن أمن مضيق هرمز، خاصة بعد كلام السيناتور ليندسي جراهام الذي أكد أن أي اضطراب في المضيق سيضر الجميع، وهو ما يظهر الوعي العالمي بخطورة تهديد أهم شريان للقوة. في جميع أنحاء العالم.
وفي السياق نفسه، هناك حديث أيضاً عن إمكانية استئناف العمليات العسكرية الكبرى في غزة، بعد محادثات بين بنيامين نتنياهو وترامب، تماشياً مع التصريح الإسرائيلي بشأن السيطرة على مناطق واسعة من القطاع. يجلب إعلان إسرائيل عن فرض الأمن في الموقع الذي كان مقرا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس، صراعات وانتقادات جديدة، معتبرة أن الصراع لم يعد عسكريا، بل يشمل رموزا سياسية ومحاولات لفرض حقائق الفضاء والأمن.
وفي الخليج، يُظهر حادث استهداف أبو ظبي بطائرة بدون طيار والعقوبات العربية التي تلت ذلك التهديد المستمر بالحروب غير المشروعة، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار والهجمات السيبرانية أسلحة أرخص وبأسعار معقولة. من ناحية أخرى، فإن الإعلان عن إنشاء نظام اتصال متكامل بين هيئة الموانئ والجمارك والمناطق الحرة بالشارقة وسلطنة عمان يظهر ما يحدث في الخليج من تعزيز التعاون الاقتصادي وإيجاد سلاسل التوريد بسبب الاضطرابات الإقليمية.

أما الأزمة الروسية الأوكرانية، فرغم أنها تتراجع أكثر فأكثر في المواضيع اليومية، إلا أنها تظل من أخطر أحداث هذا القرن، خاصة عندما لا يزال الحديث يدور عن إمكانية استخدام الأسلحة النووية الاستراتيجية إذا اتسعت ساحة المعركة أو حدث انهيار مفاجئ لأي مجموعة. ولم تعد هذه المشكلة مقتصرة على أوروبا فحسب، بل أصبحت عاملاً مهماً في إعادة توزيع الطاقة العالمية وأسواق الطاقة والغذاء والمواد.
وعلى الجانب الاقتصادي والاستراتيجي، تتحرك الصين ببطء لإصلاح سوق النفط العالمية، مستفيدة من التجارة الدولية، والعقوبات الغربية، ومواجهة السياسات التجارية. وتدرك بكين أن السيطرة على تدفق الطاقة يعني التمتع بنفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد، خاصة مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
كما أن اتفاقية OKOS لم تعد اتفاقية أمنية بحرية، بل أصبحت جزءا من استراتيجية لاحتواء الصين داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يثير قلق كوريا الشمالية، التي ترى في هذا التوسع العسكري تهديدا مباشرا للردع الإقليمي.
وفي أوروبا، تتزايد التوترات بشأن الاعتماد على شركة كهرباء فرنسا لتحقيق انتعاش الطاقة النووية في أوروبا، حيث يحذر الخبراء من أن السيطرة على نظام الطاقة النووية داخل القارة قد يؤدي إلى اضطرابات مستقبلية، خاصة بسبب التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والسلاسل الدولية.
وأشرس وأهدأ الحروب هي حرب الإنتاج الفكري، إذ أصبحت تايوان مركزا للنقاش الدولي حول التكنولوجيا، بسبب هيمنتها على صناعة التكنولوجيا الفائقة. ولهذا السبب تنظر الولايات المتحدة إلى تايوان على أنها خط الدفاع الأول بسبب نجاحها في منافسة الذكاء الاصطناعي العسكري والاقتصادي.
ومن بين هذه التغييرات، حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي من تفاقم الأزمة في القطاعات المحفوفة بالمخاطر، بسبب الركود وتزايد المخاوف العالمية، مما قد يؤثر على استثمارات الشركات الناشئة، فضلاً عن مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.
كل هذه الملفات تؤكد أن العالم يشهد «إعادة هيكلة للقوى»، حيث لا تقتصر الحروب على الأسلحة فحسب، بل على الطاقة والموانئ والذكاء الاصطناعي والطرق البحرية والتمويل والتكنولوجيا والإعلام. وما يبدو وكأنه تحديات فريدة من نوعه قد يكون جزءا من معركة عالمية أكبر لإعادة رسم خريطة القوة في القرن الحادي والعشرين.
