وحين تتكرر الدعوة الفارغة إلى «وحدة الجماعة»، وكأنها كلمة محفوظة تعطى في كل مرة، تظهر تناقضات قصة الإخوان من جديد، كصراعات مفتوحة تتغذى على الذاكرة المثقلة بالأسباب والشكوك، وتتفرق في كل مرة عندما يظن البعض أنها في طريقها إلى الزوال. هكذا كانت رسالة القيادي الإخواني محمود حسين، التي بثها التلفزيون يوم الثلاثاء 24 مارس/آذار 2026، عندما دعا إلى “التعاون والثقة المتبادلة”، ليطرح السؤال القديم من جديد: هل يمكن أن يكون من تسببوا في الأزمة هو سر حلها؟
وفي رسالته، آمن محمود حسين بنفسه، وارتدى ثوب الداعية، واتخذ دور القائد ليكون قائداً عظيماً، موجهاً خطابه إلى “الأمة”، يريد “تغيير البوصلة ومعرفة ما يخطط له، والتوحد لمواجهة التحديات”، معتبراً أن ذلك “من أهم الأمور لمساعدة الوطن المظلوم”. ولم يكتف بذلك، بل وسع الدعوة لتشمل “حكاما ومحكومين، أحزابا وجماعات”، داعيا إلى “استحضار كل أسباب الوحدة والثقة المتبادلة والاجتماع بصوت واحد”.
لكن، ورغم أن البيان يبدو منمقا ومتعارضا بروح التعاون، فإن واقع الانقسام والصراع بين أجنحة وشرذم الجماعة، كما تظهره الشهادات من الداخل، يطرح سؤالا مهما جدا: هل يبدأ محمود حسين بنفسه؟ فهل يمكن لشخص متهم بأنه أحد الأسباب الرئيسية للانقسام أن يكون في الوقت نفسه دعوة للوحدة؟
الجواب، كما يراه كثيرون من داخل الإخوان الحقيقيين، لا يحتاج إلى شرح طويل، كما هو الحال في الكتب القديمة التي تثار فيها أمور الإخوان من جديد، بعد أحداث الإفطار الرمضاني السنوي الذي دعا إليه محمود حسين في إحدى الدول، وكأنها وثائق معارضة تُحذف من الجداول كلما ظهرت كلمة “التوحيد”.
إحدى هذه الحقائق المعروفة ظهرت لأول مرة في 13 أكتوبر 2021، على موقع القيادي الإخواني أحمد مطر، نقلا عن أحد أعضاء الإخوان، الذي كتب ما يبدو أنه اتهام كامل، قائلا: “لا يعرفون أحدا فساد في الإخوان أكثر من محمود حسين، إنها مجموعة عمل تتقاضى رواتبهم ومناصبهم”.
ولم تتوقف القضية عند هذا الحد، بل اتسعت لتشمل المزيد، إذ جاء في القائمة:
“قسم محمود حسين الحركة إلى قسمين (قبل أن تصبح ثلاثة وتقترب من الفرقة الرابعة)، وطرد أكفأ عناصرها، وأجبر خبرائها على التقاعد، وعطل الحركة، ودمر ما تبقى من مبادئها ومؤسساتها، حيث رفضت الخضوع لمجلس الشورى وتقرير القوانين.
* رفض إعادة التوحيد الأولي لـ«الإخوان» عندما تدخل القرضاوي (خلال حياته) كوسيط بين الفصائل المتعارضة.
* خالف أمر الرئيس التنفيذي عندما تم تعيينه في اللجنة الرباعية للإشراف على الإخوان.
*وله مثله بقوله إن مجلس الشورى الكبير اجتمع بنصاب كاذب، وانكشفت قصته.
* تم فصله من منصب الأمين العام منذ سنوات ولم يستجب لقرار إقالته. ثم اختبأ ووصل إلى السلطة باسم القائم بالأعمال الدكتور محمود عزت، ثم إبراهيم منير (قبل الترشح للمنصب). لقد اتخذ قرارات جائرة دمرت الجماعة، وهو اليوم يكسر عصا الطاعة، ويرفض الخضوع لرأي الجماعة، ويخضع لنتائج الانتخابات، ويعطي السلطة للناخبين.
هذه الكلمات، رغم قسوتها، قالها إخوتي، ولم تأت من النقاد التقليديين للجماعة، مما يزيدهم ثراءً مضاعفًا، ويجعلهم أقرب إلى الشهادة من قلب المشكلة. وبدلا من ذلك، احتوت نهاية القصة على كلمات دعاء ممزوجة بالغضب: “حسبنا الله في محمود حسين وفي المستفيدين، وغفر الله للغافلين والصادقين الذين يعيشون معا ويضلون بغير هدى الله، خوفا من الفرقة”.
كما قال كاتب التدوينة إن “متابعة تطهير المجموعة، وفتح ملفات الخاسرين، ولومهم على كل كبيرة وصغيرة”، معتبراً أن تجنب العطاء قد يكون بسبب الخوف من المحاسبة، و”الشك القوي في أن شيئاً يتم تشغيله خارج ضمير الجماعة سيأتي بهذه النتائج المؤسفة”.
وإذا ارتفع هذا الصوت في 2021، فالملفت أن صدىه لم ينته، بل عاد في السنوات التالية، وعاد للظهور في مارس 2026، وكأن الجماعة تتحرك في حلقة مفرغة، حيث تتغير التهم في كل مرة تهدأ قليلا، ثم تعود بمزيد من النار.
ويبدو أن نار الصراع الداخلي لا تهدأ. لا توجد طريقة حقيقية لتسوية الخلافات، ولا إرادة واضحة لإطفاء الحرائق التي تشتعل بين الحين والآخر، سواء في الداخل أو في اجتماعات الخارج في دول آمنة. وما قيل منذ سنوات يتردد صداه اليوم نفسه، وربما بقوة أكبر.

وفي هذا السياق، عادت الأخبار بعد برنامج الصباح عن التهديدات التي كشفها القيادي الإخواني صلاح الدين مدني عبر فيسبوك في 3 أغسطس 2025، حيث أكد أنه وجه تهديدات واضحة بسبب ما كتبه على فيسبوك ولم يعجب قيادات أخرى. وأكد أنه تعرض للإهانة بالنميمة، وعندما اعترض قيل له: “مش كده، أنت تغلط على واحد حاصل على درجة الدكتوراه”.
ولم تتوقف كلمات صلاح مدني عند هذا الحد. وفي 12 أغسطس/آب 2025، كتب بوضوح: “مر أسبوع لم أتحدث فيه عن الكذابين الذين يتهمون الناس بالكذب، ويتنفسون الأكاذيب… ثم انتقل إلى اتهامات بالثروة غير المستحقة، قائلاً: “واحد منهم عنده بيت، ويكذب على المقربين منه، ويقول إن هذا البيت لأخيه… ونسي أن الرجلين لا يمكنهما الكذب، لذلك هناك وثيقة شخصية لهذا المنزل باسمه…
وأضاف: “ولسماعكم هذا البيت مغلق، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من إخوته من ارتفاع أسعار المساكن، لكنهم لا يرحمون الضعفاء ولا يساعدون المحتاجين…. ثم تابع: “وطبعاً لم ننسى سيارة BMW، والغرف التي أخبرنا عنها الطبيب سابقاً، والتي كشفت من يقول إنهم يساعدون إخوانهم، وهم يعيشون بأموال المظلومين”.
هذه المراجع، رغم اختلافها الزمني، تقدم صورة شاملة لصراع داخلي يبدو مستعصيا على الحل. المفارقة أن الدعوة إلى الوحدة غالبا ما تأتي من أطراف متهمة بتوسيع الانقسامات، وهذا ما يجعل كلامها، في نظر كثيرين، أقرب إلى العمل الإعلامي من العمل الحقيقي لإنقاذ جماعة إرهابية من جحيم الصراع.
وبالنظر إلى هذه الأحداث، يبقى السؤال: هل تستطيع جماعة لم تحل صراعاتها الداخلية، ولم تواجه أخطائها بشجاعة، أن تتحدث عن “وحدة الجماعة” بمعناها الأوسع؟ أم أن هذه الدعوات ستكون مجرد عناوين مبهرجة، تتخفى وراء صراعات أخطر مما يظهر على السطح؟!
يبدو أن الإجابة لا تكمن في الكلمات أو الكتب، بل في القدرة على قبول الحقيقة المؤلمة مهما كانت قاسية. وإلى أن يحدث ذلك، فإن «الدعوة إلى مجموعة الوحدة وإعادة الشمل» ستبقى عبارة فارغة تُرفع عند الحاجة، ثم تُسحق على الأرض عند أول اختبار حقيقي.
