تهديد البعثة الصهيونية بتحويل منطقة جنوب بيروت إلى كتاب “خان يونس” لم يعد مجرد استعارة، أو زلة لسان من أفواه قادتهم البلطجية. بل على العكس من ذلك، أصبح واقعاً رهيباً يثبت أن الإرهابي واحد والسلاح واحد، وأن ما بدأ على أطراف غزة لا بد أن ينتهي في شارعي بيروت.
ونحن الآن أمام التنفيذ الحقيقي لخط العالم الساخن الذي انتقل إلى قلب العاصمة اللبنانية، لمحاولة استعادة صورة عائق التفكير التي تحطمت تحت أقدام مقاتلي المعارضة، وبعد أن تأكدت الصورة الذهنية للجماعة الإرهابية كجيش يتخفى خلف الترسانة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء.
واختيار خان يونس كمثال على التهديد لم يكن عشوائيا، لأنه يمثل عمق وقوة المعارضة في قطاع غزة.
وهناك استخدمت العملية نظرية كسر الكتلة من خلال تدمير كل البنى التحتية، مما يجعل العودة مستحيلة. واليوم، من المقرر أن تتبع المنطقة الحضرية نفس المسار الإجرامي، ليس فقط بهدم المباني، بل أيضًا بتدمير الطرق الحيوية من طرق واتصالات ومياه وكهرباء، مما يضمن أن تظل هذه المنطقة برموزها خرابًا من الأطلال والذكريات المؤلمة.
ولم تخجل قيادات التنظيم من الإعلان عن هذا الهدف عندما أعلنت أن المنطقة ستبدو مثل خان يونس. هذه الكلمات هي قبول لاعتماد عقيدة الدمار الشامل أداة سياسية لكسر إرادة حاضنة المقاومة الشعبية، ورسالة للبنانيين بأن مستقبلهم مرتبط بتدمير غزة، في حرب أفكار هدفها وضع الالتزام اللامحدود عبر بوابة الجريمة البحتة.
وانتقل الأعداء من التهديدات اللفظية إلى قتل الناس في المدن. لقد رأينا كيف تنهار الأبراج السكنية في لمح البصر، فتحول أحلام العائلات إلى غبار. الإرهابيون الذين يستهدفون الساحات المزدحمة لا يبحثون عن مخازن أسلحة، بل يبحثون عن روح مستقرة لتدميرها.
في كل ركن من أركان المدينة اليوم، رائحة الموت التي شعرنا بها في خان يونس، حيث يعيش اللاجئون فصلا جديدا في النكبة المستمرة.
حجم الدمار يظهر رغبة حزينة، إرهابي يريد الانتقام من الناس الذين يعيشون في عزلة بعد فشلهم في مقابلة الناس، لدرجة النظر إلى المستشفيات وفرق الإنقاذ، كما فعلوا في مستشفى ناصر في خان يونس.
إن محاولة تغيير الاستيطان في خان يونس هي اعتراف أكيد بالفشل الصهيوني في العمل الميداني وملجأ تدمير البيوت، لكن التاريخ شاهد ويقول لنا إن النفايات والدماء والهجرة القسرية لا تجعل العمل مستقرا، بل تخلق جيلا جديدا يتنفس الغضب ويقاوم مهما كلف الأمر. وفي حارة حريك والغبيري وبرج البراجنة والرويس وكل أحياء وشوارع بيروت، شرد نحو مليون شخص، وسقط مئات الشهداء، بينهم ثلاثة وثمانون طفلاً، واكتظت المستشفيات. ومع أكثر من عشرة آلاف جريح، تستمر فصول هذه المأساة تحت أعين بلد فقد الإنسانية وضمير ميت، ويكتفي بمشاهدة الجرائم على شاشة التلفزيون بمختلف اللغات.
اقرأها مرة أخرىانتظر لحظة.. عدوان أمريكا وإسرائيل على إيران
