أخبار العالم

أحداث العباسية.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 78» – الأسبوع


فى يوم الأربعاء 2 مايو 2012، كان موعد رؤساء الأحزاب السياسية وعدد من نواب البرلمان مع المجلس العسكرى، لم يحضر المشير حسين طنطاوى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللقاء كما جرت العادة خلال اللقاءات السابقة، لارتباطه بموعد مع المبعوث الأمريكى جون ماكين، كان ذلك هو الاجتماع الخامس، الذى يعقد بهدف التوصل إلى حلول متعلقة بأزمة الجمعية التأسيسية. غير أن الجميع أدركوا الآن أن الأمر لم يكن متعلقًا بأزمة الجمعية التأسيسية، وإنما بأزمة أشد وأخطر، هى أزمة الحصار الذى تفرضه بعض العناصر على وزارة الدفاع باتجاه شارع الخليفة المأمون من ناحية ميدان العباسية.

كان الزحف قد بدأ منذ السابع والعشرين من أبريل، تجمهر المئات من الشباب الذين ينتمى غالبيتهم للمرشح الرئاسى المستبعد الشيخ حازم أبو إسماعيل، اتخذوا القرار، وأعدوا العدة، ثم بدأوا فى توجيه الدعوة لآخرين من المعتصمين، والذين كانت لهم توجهات سياسية مختلفة.

لقد غاب عن هذه الجلسة عدد من قادة الأحزاب السياسية الهامة، من بينهم الحرية والعدالة والوفد والبناء والتنمية وغد الثورة والحضارة.

قبل ذلك بساعات قليلة كانت الأجواء قد ازدادت سخونة فى ميدان العباسية، حيث أقام الجيش أسلاكًا شائكة أمام مبنى جامعة عين شمس للحيلولة دون تقدم المتظاهرين.

وفى يوم الاثنين الثلاثين من أبريل كانت الاشتباكات قد بدأت بين أعداد من البلطجية وبين المعتصمين، حيث أسفرت عن اصابة العشرات من الطرفين، واستخدمت فيها الأسلحة النارية والشماريخ والطوب والحجارة.

كان أهالى العباسية الأكثر استياء من جراء هذه الأحداث التى تسببت فى تعطيل مصالح الكثير من المواطنين، وشلت الحياة تمامًا فى هذه المنطقة، وقد بدا واضحًا فى هذا الوقت، أن الأمر ليس صدفة، وأن الاعتصام لن يفض سريعًا، وأن أحداث شارع محمد محمود تتكرر مرة أخرى.

فى هذا الوقت تولت نيابة حوادث غرب القاهرة التحقيق فى الأحداث التى أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 411 آخرين، كانت إصابات أغلبهم طفيفة، ومن بين هؤلاء مصابون من حركة 6 أبريل التى انضمت إلى الجماعة السلفية من أنصار حازم أبو إسماعيل، وبعض الأطراف الأخرى التى وجدت فى هذا الاعتصام فرصة لتصفية حساباتها مع الجيش.

كانت الأحداث تتداعى بسرعة شديدة، وكان اللقاء الذى وجه المجلس الأعلى الدعوة إليه، يستهدف -كما قال الفريق سامى عنان -قضية واحدة ووحيدة هى ›ما يجرى فى ميدان العباسية› كان عدد القتلى فى فجر الأربعاء 2 مايو قد وصل إلى ستة قتلى و932مصابًا، من بين الضحايا أربعة مواطنين من أبناء منطقة العباسية، وهو أمر كان ينذر بمخاطر كبرى فى هذا الوقت.

فى بداية الاجتماع قال الفريق سامى عنان أمام هذه المشاحنات ومخاطرها، ماذا سنفعل؟ لا نريد تصرفًا فرديًا، نريد أن نسمعكم لنتعرف منكم على أنسب الطرق للخروج من هذا المأزق بما يحقن دماء المصريين، نحن لن نكون عراقًا آخر، ولن نسمح لهذه الدماء بأن تستمر هكذا، كل ما سترونه، نحن سنوافق عليه.

كان د.محمد أبو الغار رئيس الحزب المصرى الاجتماعى هو أول المتحدثين، قال: لقد حضرنا دون أن نعرف ما هى الحكاية، كان يفترض أن نبلغ بجدول الأعمال قبل أن نحضر، هناك ثلاثة من أكبر الأحزاب لم تحضر، ورأى الشعب غائب عن هذا الاجتماع، لقد كان د.أبو الغار يقصد أحزاب الحرية والعدالة والنور والوفد، إلا أن رئيس حزب النور حضر بعد ذلك بقليل.

وقال د.رفعت السعيد رئيس حزب التجمع، إن كلام د.أبو الغار صحيح، فما جرى هو استدعاء للأحزاب لمناقشة قضية فرعية هى اعتصام العباسية، هنا يتبادر سؤال إلى الذهن، ولماذا لم ندع لمناقشة اعتصام التحرير مثلاً، إن أحدًا منا لا يستطيع أن يعلن أنه ضد الاعتصام، كما أن أحدًا فينا لا يقر باستخدام العنف المتبادل كما هو حادث الآن، فالاعتصام يحظر عليه قطع الطريق وتعطيل مصالح الناس.. لكننا يجب ألا ننسى أو نتجاهل قضية الجمعية التأسيسية التى ظننًا أننا جئنا من أجلها.

وكان رد الفريق سامى عنان واضحًا، قضية الجمعية التأسيسية وتشكيلها جرى الاتفاق حولها فى الاجتماع السابق، والكرة الآن أصبحت فى ملعب مجلس الشعب، وهو صاحب القرار فيها.

كان المشير حسين طنطاوى يستقبل فى هذا الوقت السيناتور الأمريكى جون كيرى، حيث كان الحوار يدور حول الأوضاع فى مصر، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ولذلك لم يتمكن من حضور هذا الاجتماع الذى أداره الفريق سامى عنان. فى هذا الوقت طلب الدكتور محمد أبو الغار الانصراف لارتباطه بموعد سابق، همس فى أذن الفريق سامى عنان، وانصرف، تاركًا الاجتماع يتواصل بحضور من شاركوا فيه.

لقد جرت فى هذا اللقاء نقاشات عديدة، غير أن المهندس أبو العلا ماضى رئيس حزب الوسط قدم اقتراحًا من ثلاث نقاط للخروج من هذه الأزمة هى:

– تشكيل وفد من القوى السياسية والأحزاب ورجال الدين للحوار مع المعتصمين.

– إبداء الأسف لموت البعض ومطالبة الجهات المعنية بالتحقيق سريعًا وإعلان الحقائق.

– التأكيد مجددًا على تسليم السلطة قبل 30 يونيو المقبل، مع رفض أن يتسبب الاعتصام فى تعطيل مصالح المواطنين وقطع الطرق.

وبعد حوارات وآراء أكدت جميعها ضرورة تجاوز الأزمة، قال الفريق عنان بكل حسم «إننا لسنا راغبين فى الاستمرار فى السلطة، وأنا أقولها لكم بصراحة، إذا ما افرزت الانتخابات عن فوز رئيس من الجولة الأولى فى 24 مايو المقبل، فسوف نسلم السلطة للرئيس المنتخب على الفور بمجرد أدائه اليمين القسم.

كان الفريق سامى عنان حاسمًا فى كلماته، بدا من حديثه أن هناك شعورًا بالمرارة من نكران الجميل والدور الذى تحملته القوات المسلحة، وقال «إننا لن نستخدم العنف أبدًا ضد شعبنا، والمجلس الأعلى تحمل الكثير من الاتهامات غير الصحيحة، لقد أصبحنا شماعة لكثير من المشاكل التى تحدث فى المجتمع، ونحن ننتظر تسليم السلطة على أحر من الجمر».

وقال الفريق عنان «إذا كان البعض يحاول جرنا للصدام، فأنا أقول لهم المؤسسة العسكرية لن تجر أبدًا إلى صدام مع الشعب، نحن مستعدون للحوار، ولكن أود أن أؤكد لكم أنه ليست لدينا أى نوايا لاستخدام العنف مهما حدث، فالقوات المسلحة لم تلجأ إلى استخدام هذا الأسلوب فى أصعب الظروف، فكيف تلجأ إليه الآن».

لقد استمر الحوار على مدى ساعتين، وفى نهايته تم الاتفاق على عدد من النقاط كان من أبرزها: يهيب الحاضرون بالمعتصمين:

أولاً: فتح الطرق وعدم تعطيل مصالح المواطنين مع احترام حقهم فى الاعتصام والتظاهر السلمى.

ثانيًا: وقف استخدام العنف والعنف المتبادل فورًا واتخاذ الإجراءات التى من شأنها حماية الأمن والاستقرار فى هذه المنطقة وغيرها من المناطق الأخرى.

ثالثًا: تشكيل وفد من الأحزاب والقوى السياسية ورجال الدين للتفاوض مع المعتصمين حول سبل إنهاء الأزمة مع دعوة مجلسى الشعب والشورى للقيام بدورهما فى هذه الأزمة وتشكيل لجان للاستماع لبحث مطالب المعتصمين.

وقد وافق على هذه المطالب أحزاب النور والتجمع والمصريين الأحرار والاصالة والكرامة والإصلاح والتنمية والحرية والمواطن المصرى، ومصر الحديثة، وحزب الجيل، والاتحاد المصرى، وحزب مصر العربى، وحزب الجبهة الوطنية، وحزب السلام الديمقراطى وحزب الاتحاد، إضافة إلى عدد من النواب المستقلين هم: ياسر القاضى ومحمد أبو حامد وماريان ملاك ومصطفى بكرى.

وفى نفس التوقيت تقريبًا، كانت هناك بعض الأحزاب والقوى السياسية تعقد لقاء آخر أدانت خلاله أحداث العباسية، وحمل بعضها المجلس الأعلى مسئولية ما آلت إليه الأوضاع.

وقرر مسئولو حملات بعض المرشحين الرئاسيين الانطلاق فى مسيرات من مسجد الفتح إلى ميدان العباسية للإعراب عن مشاركتهم للمعتصمين، بل إن أربعة من مرشحى الرئاسة هم عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحى وخالد على وأبو العز الحريرى أعلنوا تعليق حملاتهم الانتخابية تضامنًا مع الضحايا الذين سقطوا فى ميدان العباسية وتضامنًا أيضًا مع المعتصمين أمام وزارة الدفاع.

فى هذا الوقت، وأمام تصاعد الأحداث حذر المجلس العسكرى من انه لن يسمح بتكرار أحداث وزارة الداخلية وشارع محمد محمود لتعطيل انتخابات الرئاسة، وجاءت التحذيرات فى رسالة نشرها «أدمن» الصفحة الرسمية للمجلس العسكرى والتى حملت عنوان «ماذا يريدون «؟»!!

وقد أشارت الرسالة إلى أن الجيش حاول وبكل الطرق اقناع المعتصمين بالاحتجاج فى ميدان التحرير أو على جانبى الطريق وعدم تعطيل مصالح المواطنين إلا أنهم رفضوا ذلك بشدة، وأكدت الرسالة ›ان المشهد واضح والصورة جلية، وسيناريو وزارة الداخلية وشارع محمد محمود تم رسمه لتعطيل انتخابات مجلس الشعب، أما هذه المرة فهو لتعطيل انتخابات الرئاسة، ومنع تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وهو السيناريو الذى لن نسمح بتنفيذه، أيا كانت القوة السياسية الظاهرة فيه أو الأيادى الخفية التى تعبث بأمن وسلامة مصر، وأن الانتخابات الرئاسية سوف تجرى فى موعدها المحدد، أيا كانت الظروف والضغوط والمؤامرات، وان الدستور سيتم وضعه ليكون دستورًا لكل المصريين يرضى عنه جميع أبناء الشعب المصرى».

كانت الكلمات واضحة ومحددة، وتعكس الإصرار على عدم تكرار سيناريو تعطيل الانتخابات البرلمانية والأحداث التى شهدها شارع محمد محمود والتى امتدت إلى ميدان التحرير والعديد من الميادين والمناطق الأخرى فى أنحاء البلاد.

كان واضحًا أن هناك قوى خفية لديها أهدافها وأجندتها وان هذه القوى تدفع ببعض الأطراف وتستغل المشاكل الناشبة، وتحاول الدفع بها إلى الصدام، بهدف إشعال الموقف وتعطيل إجراء الانتخابات وإبقاء البلاد فى حالة من السيولة والفوضى، تدفع بسقوط المؤسسات وانهيار الدولة.

كانت الاتهامات كلها فى هذا الوقت تحمْل أنصار الشيخ حازم أبو إسماعيل مسئولية هذا الاعتصام والدفع بالبلاد إلى حالة من الفوضى والصدام، غير أن الحقيقة كانت تقول إن هناك قوى عديدة بعضها معلن وبعضها خفى، جميعهم يتخذون من اتباع حازم أبو إسماعيل ستارًا لتنفيذ أهدافهم وأجندتهم.

بعد ساعات من اللقاء الذى عقده الفريق سامى عنان مع رؤساء الأحزاب وبعض أعضاء البرلمان كشف النقاب أن ضحايا أحداث العباسية بلغوا ثمانية أشخاص منهم 4 من أهالى العباسية وواحد ينتمى إلى حركة 6 أبريل وآخر سلفى واثنان مجهولا الهوية.

ازدادت الأوضاع احتقانًا، مما دفع المشير طنطاوى إلى تكليف ثلاثة من أعضاء المجلس بعقد مؤتمر صحفى صباح الخميس ٣ مايو لتوضيح الحقائق والتحذير من خطورة تصعيد الأحداث والدفع إلى الصدام.

كان الثلاثة هم اللواء محمد العصار واللواء مختار الملا واللواء ممدوح شاهين، وقد استطاعوا بالفعل توضيح الكثير من الحقائق والرد على الكثير من الادعاءات وكشف حقيقة الأهداف الخفية من وراء الاعتصام والتحذير بكل شدة ضد كل من يحاول الاعتداء على مبنى وزارة الدفاع أو أيْ من المنشآت العسكرية فى المنطقة.

وقبل هذا المؤتمر بساعات محدودة كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدر بيانًا أكد فيه أن القوات المسلحة هى ملك للشعب ولن تكون أبدًا أداة لقهره، وحذر من ان وزارة الدفاع والمنشآت العسكرية رمز لهيبة الدولة وان الشرف العسكرى يلزم القوات المسلحة بحمايتها.

لقد قام أعضاء المجلس الأعلى بالرد على كافة الاتهامات التى كان المعتصمون وبعض رموز القوى السياسية والحزبية يرددونها لتبرير الاعتصام، ومن بينها اتهامات تتعلق باصرار المجلس العسكرى على الاستمرار فى السلطة وعدم الالتزام بالموعد المحدد وأخرى تتعلق باحتمالية تزوير الانتخابات الرئاسية وثالثة تتعلق بالمادة «82» من الإعلان الدستورى والخاصة بالانتخابات الرئاسية.

لقد أكد اللواء محمد العصار أن المجلس العسكرى يتعهد بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة 100٪، أسوة بما جرى فى الانتخابات البرلمانية وقال انه تمت دعوة ممثلى 54 دولة وعشرات المنظمات الدولية والمحلية لمتابعة الانتخابات، وان القوات المسلحة لا تدعم أيا من المرشحين الرئاسيين.

أما اللواء ممدوح شاهين فقد انبرى فى توضيح الهدف من وراء المادة «82» من الإعلان الدستورى والتى استفتى عليها الشعب وتهدف إلى الحفاظ على هيبة منصب الرئيس واستقراره.

غير أن اللواء مختار الملا بعث برسالة واضحة فى هذا المؤتمر أكد فيها أن الاقتراب من مقر وزارة الدفاع ممنوع، ومن يقترب هناك حق الدفاع الشرعى عن النفس، وقال ›إن البلد لا يحتمل أى تصرفات متهورة ولن نسمح بأن يعتدى أحد على القوات المسلحة، بل سنحمى المهاجمين من أنفسهم›.

كانت الكلمات واضحة، وكان التحذير يعنى ان القوات المسلحة لن تسكت هذه المرة، لأن الأمر يتعلق بخطر داهم، وأزمة قد تدفع بالبلاد إلى الفوضى، وتعوق اتمام مهام المرحلة الانتقالية وخارطة الطريق.

على الجانب الآخر كانت الحكومة الإسرائيلية قد شكلت غرفة عمليات من عدد من القادة العسكريين ورجال الاستخبارات والخارجية الإسرائيلية لمتابعة الأحداث فى مصر.

كانت قيادة الجيش الإسرائيلى قد استدعت منذ أيام قليلة عددا كبيرا من احتياطى الجيش الإسرائيلى وبدأت فى نشر قوات على الحدود مع مصر استعدادًا للتطورات المقبلة فى البلاد.

كانت الخطة الإسرائيلية تقضى أنه وفى حالة اقتحام مبنى وزارة الدفاع وسيادة الفوضى، يتم الدفع بقوات إسرائيلية لعبور الحدود مع مصر باتجاه سيناء، بقصد اقامة شريط حدودى بعمق 10 كيلو مترات داخل سيناء وذلك بهدف حماية الأمن الإسرائيلى وخوفًا من اطلاق صواريخ من عناصر تنتمى إلى القاعدة موجودة داخل سيناء.

لقد وجدتها ›إسرائيل› فرصة تاريخية للعودة إلى سيناء مرة أخرى، ولذلك سعت إلى استغلال هذه الأحداث بكل ما يمكن لانجاز هذا الهدف وفرض أمر واقع جديد على مصر.

لقد أشارت المعلومات إلى أن الحكومة الإسرائيلية كانت قد حصلت على موافقة أمريكية بتنفيذ هذا المخطط حال مهاجمة مبنى وزارة الدفاع، وبدء سيادة الفوضى، ويبدو أن واشنطن قد أعطت الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية شريطة التنسيق المشترك، مع مراعاة تطور الأوضاع فى مصر.

كان ظهور الشيخ محمد الظواهرى الذى تمت تبرئة ساحته من حكم الإعدام وحوله عشرات الملثمين قد أثار قلق أطراف عديدة بالداخل والخارج، حيث كان ظهوره العلنى بمثابة بداية لنقطة تحول فى مسار الصراع بين بعض القوى الإسلامية المتشددة والقوى الحاكمة فى مصر.

وقد رصدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تنامى هذه الظاهرة فى ظل غيبة من رقابة الدولة وأكدت وجود عناصر منها قد تسللت إلى داخل سيناء، لديها أسلحة ومعدات وصواريخ وصلت إليها من ليبيا ومناطق أخرى عديدة، تهدد الأمن الإسرائيلى فى الصميم.

كانت المعلومات تصل إلى القاهرة تباعًا عن التحركات والخطط الإسرائيلية، ولذلك قرر المشير طنطاوى زيارة سيناء فى هذا الوقت، لم يكن الأمر فقط هدفه مجرد افتتاح لمصنع للأسمنت فى وسط سيناء، بل كانت الزيارة رسالة لكل من يعنيهم الأمر تقول إن الجيش المصرى فى غمرة انشغاله بالأحداث الداخلية لم ولن ينسى مهمته الأساسية فى حماية الحدود.

قبلها بأيام قليلة كان المشير طنطاوى يهدد فى إحدى المناورات التى اجرتها القوات المسلحة بقطع كل يد تمتد إلى الأراضى المصرية، وكان هذا التهديد هو بمثابة رسالة تحذير لكل من يعنيهم الأمر.

كانت قوات الجيش الإسرائيلى تستعد للزحف باتجاه الحدود المصرية، تنتظر إشارة البدء، وكانت إشارة البدء هى اقتحام مبنى وزارة الدفاع المصرية واشتعال المعارك وتوقع حدوث انشقاقات داخل الجيش المصرى، لتعم الفوضى فى البلاد.

كان المشير طنطاوى ورئيس الأركان وأعضاء المجلس الأعلى يطلعون أولاً بأول على التطورات التى تصل إليهم من مصادر عديدة، وكان الوضع ينذر بخطر شديد.

وبعد ظهر الأربعاء 2يوليو عقد اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوى، وكان العنوان الوحيد هو الموقف فى العباسية وسبل التصدى لأية محاولة لاقتحام وزارة الدفاع.

بعد مناقشات مطولة بدأها الفريق عنان بإطلاع أعضاء المجلس على فحوى النقاشات التى جرت مع رؤساء الأحزاب والبيان الصادر عن الاجتماع تم الاتفاق على التصدى لأية محاولة تستهدف ازالة الأسلاك الشائكة واقتحام الوزارة، وكانت كلمات المشير واضحة لا يتوجب استخدام العنف ضد الشعب أبدًا أو اطلاق النيران.

وكان طبيعيًا أن يجرى التحذير من مغبة الاقدام على أية محاولة للاقتحام باتجاه وزارة الدفاع.

وفى يوم الجمعة 4 مايو تزايدت أعداد المعتصمين أمام منطقة العباسية وسعى بعضهم إلى استفزاز قوات الجيش، بينما تمكن آخرون من إزالة بعض الأسلاك الشائكة.

كانت عمليات التحريض تتم علانية ومن خلف ستار، وكان الإخوان المسلمون حاضرون فى هذه التظاهرات والاعتصامات كما أنهم أقاموا منصة داخل ميدان التحرير تولت عملية التحريض منذ الصباح، وكانت رموزها تردد ذات الهتاف »يسقط.. يسقط حكم العسكر« وراحوا يحملون المجلس العسكرى المسئولية الكاملة عن مقتل عدد من المواطنين الناشطين فى أحداث العباسية.

بعد أداء صلاة الجمعة بقليل زحف جمهور كبير من مسجد النور باتجاه حاجز الأسلاك الشائكة الذى يفصل بين جنود الجيش والمتظاهرين، تمكن أحدهم من إصابة ضابط من قوة الجيش المرابطة. كانت عمليات الابتزاز والاستفزاز قد وصلت إلى حد لا يمكن السكوت أمامه، ألفاظ بذيئة، وشتائم تعدت كل الحدود، ولذلك لم يكن هناك من خيار آخر.

لقد انطلق جنود فرقة الـ(999) العسكرية المقاتلة فى مواجهة لمتظاهرين حاملين العصى، وراحوا يطاردونهم حتى ميدان رمسيس.

وفى وقت زمنى قصير، كانوا قد انجزوا مهمتهم وانتهى الاعتصام من أمام ميدان العباسية ولم يتكرر مرة أخرى حتى تسليم الجيش للسلطة إلى الرئيس المنتخب.

كان الجنود قد تحركوا دون أى تعليمات من أحد، لقد شعروا بالإهانة، وظلوا يكتمون غظيهم لعدة أيام، وعندما شاهدوا الدماء تسيل من رأس أحد قادتهم، انفجر البركان.

عندما سمع المشير بما حدث، أحال الأمر للتحقيق على الفور على اعتبار أنه لم تكن هناك أوامر للضباط والجنود بالتحرك ومطاردة المتظاهرين، إلا أنه تم حفظ القضية فيما بعد.

فى هذا الوقت أصدرت جماعة الإخوان المسلمين تعليماتها إلى عناصرها فى ميدان التحرير والعباسية الانسحاب فورًا، فتم تفكيك المنصة الخاصة بالجماعة فى ميدان التحرير وتم الانسحاب حتى قبيل أن يصل المتظاهرون من ميدان العباسية إلى التحرير.

وينشر موقع «الجمهور» يوم الجمعة من كل أسبوع، شهادة الكاتب والبرلماني مصطفى بكري عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.

الرهان الصحيح.. شهادات وذكريات يرويها مصطفي بكري «الحلقة 76»

وفاء الجيش بتعهداته.. شهادات وذكريات يرويها مصطفي بكري «الحلقة 75»

أوهام الشاطر.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 74»