بينما تتواصل الاكتشافات الأثرية الواعدة في محيط موقع شيخ العرب همام بقرية العركي بمحافظة قنا، تقف القلعة التاريخية ذاتها في مواجهة واقع مؤلم، إذ يحاصرها الإهمال وتتكدس القمامة على حدودها الشمالية، في ظل غياب سور يحمي ما تبقى من جدرانها الشامخة التي قاومت عوادي الزمن.
القلعة، المشيدة في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، ليست مجرد بقايا معمارية، بل شاهد حي على مرحلة مفصلية من تاريخ الصعيد، حين بسط همام بن يوسف نفوذه على أقاليم واسعة من المنيا حتى أسوان. وقد تعرضت القلعة للهدم عقب هزيمته على يد القائد المملوكي محمد بك أبو الدهب، قبل أن تستكمل عوامل التعرية الطبيعية ما بدأه الهدم، لتتآكل أجزاء كبيرة من مبانيها عبر العقود.
ورغم تسجيل الموقع ضمن عداد الآثار الإسلامية والقبطية بقرار رسمي عام 1998، فإن القلعة اليوم تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية، فلا سور يحدد نطاقها أو يمنع التعديات، ولا أعمال صيانة دورية تكفل الحفاظ على جدرانها التي يبلغ ارتفاع بعضها نحو ستة أمتار، والمشيدة بالطوب اللبن وفق أساليب هندسية تراعي اختلاف السمك وزوايا الميل لتحمل الضغوط.
وتتكون القلعة من مبنيين رئيسيين، الجنوبي بمساحة تزيد على نصف فدان، والشمالي الأصغر الذي يُرجح أنه كان مخصصًا للمخازن والملحقات، فضلًا عن مناطق واسعة محيطة كانت تضم ثكنات للجند ومخازن للغلال وميدانًا لتدريب الخيل، ما يعكس طبيعتها العسكرية الاستراتيجية، خاصة لقربها من طرق تجارية مهمة مثل درب الأربعين.
في المقابل، أعلنت وزارة السياحة والآثار مؤخرًا عن نجاح البعثة الأثرية المصرية- الفرنسية المشتركة في الكشف عن أجزاء من مدينة سكنية تعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي بالموقع ذاته، إضافة إلى امتداد لجبانة قبطية من العصر البيزنطي تقع أسفل المدينة المكتشفة، وهو ما يمثل إضافة علمية مهمة لفهم أنماط الاستيطان والتطور العمراني في المنطقة عبر عصور متعاقبة.
وأسفرت الحفائر عن اكتشاف ستة منازل ملحقة بمبانٍ خدمية ومنطقة صناعية، إلى جانب لقى أثرية متنوعة شملت عملات برونزية وقطعًا فخارية وأجزاء من منسوجات، فيما كشفت أعمال المسح عن دفنات قبطية تضم لفائف كتانية وزخارف تحمل رموزًا دينية وحروفًا قبطية، ما يؤكد الأهمية الحضارية المتراكمة للموقع.
هذا التناقض بين زخم الاكتشافات العلمية وواقع القلعة المتروكة يطرح تساؤلات ملحة حول ضرورة التحرك العاجل لتطهير محيط القلعة من المخلفات، وإقامة سور متين يحيط بها من الجهات الغربية والبحرية والقبلية، إلى جانب إطلاق مشروع متكامل للترميم والتأهيل، تمهيدًا لدمجها في المسار السياحي الذي يربط بين دندرة وأبيدوس.
إن إنقاذ قلعة شيخ العرب همام لم يعد مطلبًا ثقافيًا فحسب، بل مسؤولية وطنية لصون ذاكرة الصعيد وحماية شاهد فريد على حقبة شكلت ملامح التاريخ الإقليمي لمصر. فحفظ الآثار ليس ترفًا، بل استثمار في الهوية ووفاء لتاريخ لا يجوز أن يُترك فريسة للإهمال والنسيان.
