أخبار العالم

رمضان على نهج الصحابة أم رمضان الآن؟ – الأسبوع


رمضان على نهج الصحابة أم رمضان الآن؟

صالح أبو مسلم

صالح أبو مسلم

يهل علينا شهر رمضان من كل عام ليزيد المسلم خلاله من عباداته، طاعاته، وقربه من الله، وذلك تطبيقًا لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ولقد فرض الله الصوم وجعله ركنًا أساسياً من أركان الإسلام الخمس، ومع ذلك فهو يتميز عن الأركان الأربعة الأخرى في أن الله وحده هو مَن يجزي به، تطبيقاً لحديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به”، ومن هذا المنطلق فإن المسلمين قد ورثوا سلوك ونهج صيام أيام رمضان بالشكل السليم منذ زمن الصحابة والسلف الصالح، مرورًا بمختلف العصور الإسلامية، إذ كانوا يفرحون بقدوم الشهر الكريم، لدرجة أنهم- وفقًا للموروث الديني- كانوا يدعون الستة أشهر الأولى من العام الهجري لكي ينالوا من الله صوم رمضان، والستة أشهر الأخرى كانوا يدعون الله بأن يتقبل منهم صيام هذا الشهر الكريم، ولهذا فإنهم كانوا في زمنهم، وعبر أزمنة إسلامية أخرى كانوا يتثبتون في رؤية الهلال بالرؤية الشرعية، ولا يعتدون بالحسابات الفلكية التي تجرى في بعض البلدان الإسلامية الآن، مسببة في وقوع الشك والاختلاف، وانعكاس ذلك سلبًا على الأمة الإسلامية، لأن الأصل شرعًا هو رؤية الهلال، وذلك بناءً على الآية الكريمة (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وطبقاً أيضاً لحديث رسولنا الكريم ﷺ “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”، أما الاعتماد وكما يحدث الآن على رؤية الهلال فلكيًا، فإنه يعد إسقاطًا للعلة الشرعية، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يصومون الشهر الكريم في زهد وعبادة، على الرغم من المشقة والحروب والمعاناة التي كانت تواجههم خلال سنوات الدعوة لإعلاء كلمة الله، ورفع راية الإسلام، ورغم ذلك فإنهم كانوا يفرحون بقدومه، باعتباره شهر النور والمغفرة والعتق من النيران، وكانوا يصومون أيامه خير صيام، ويحفظون صيامهم من كل شيء يبطله أو ينقصه، بعيدًا عن اللغو واللهو والإسراف، وضياع أيامه فيما لا يعود عليهم بالنفع، إذ كانوا يفطرون على التمر والحليب، أو يشاركون الفقراء في رغيف من شعير، وكانوا يحيون أيامه ولياليه بالصلاة والزهد والذكر، وقراءة القرآن، وقيام الليل، والعطف على الفقراء، تطبيقًا لحديث الرسول ﷺ “مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ”، وغيره من الخصال الطيبة التي تؤكد معنى وفلسفة الصيام عند الرعيل الأول.

أما الآن، فإن الكثير من المسلمين يمارسون الإسراف في تناول الطعام وإهدار الأموال خلال الشهر الكريم، مخالفين الأوامر الربانية والأحاديث النبوية التي تحث على القسط والاعتدال، وهو ما بدوره يخالف فلسفة الصيام، ويؤدي بالمسلم إلى الخمول والكسل، والإضرار بالنفس والبدن، مع البعد عن القيام بالطاعات والعبادات المرجوة، والتي يكون خلالها الإنسان المسلم في أمس الحاجة للعبادة، وترويض النفس والتقرب إلى الله، فبدلاً من القيام بما كان يقوم به الصحابة والسلف الصالح، فإنهم يبالغون في السهر والملذات وضياع الوقت، والانشغال باللهو والذهاب إلى المقاهي، والانشغال بالدورات الرمضانية، ومشاهدة المسلسلات والبرامج التافهة الخليعة، التي لا تناسب هذه الأجواء الربانية المباركة، إضافة إلى شغلها للمسلم طوال ليل رمضان المبارك عن العبادة، وبذل الطاعات لنيل رضا الله، وكأنه سباق في الترف واللهو وضياع الوقت، لا في بذل الطاعات، وكل تلك الجوانب السلبية يتحملها انشغال الآباء عن أبنائهم، وعدم مساءلتهم، وحسهم على الطاعة والعبادة، ما يعني هدم المسلم لركن أساسي من أركان الإسلام، في حين أن تلك الأيام المعدودات تأتي للمسلم من أجل زيادة حسناته، وقربه إلى الله كفرصة لنيل المغفرة، والعتق من النيران.