
صالح أبو مسلم
عُرف عن شهر رمضان عبر أزمنة التاريخ الإسلامي بأنه هو خير الشهور واطيبها وأحبها إلي قلب المسلم، لما لا وهو شهر الفضل والجود، وشهر النور النازل من السماء إلي الأرض، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، بل وهو شهر ليلة القدر، تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر في منزلة العبادة، وهو الشهر الذي تهبط فيه الملائكة من السماء إلي الأرض لتفرح بالصائمين، وترفع أعمالهم الصالحة إلي الله، وهو شهر الصبر والمثابرة، والاجتهاد في العبادة والطاعة والتقرب إلي الله لنيل رضاه ورحمته، إنه شهر الخير لفضله وكرمه وجوده، ولهذا فإن جوهره أن يقوم علي بذل المسلم لأقصى درجات العبادة، والزهد في الدنيا، وبخاصة عن الطعام والشراب والملذات، والكف عن فعل الموبيقات، فالخير في شهر رمضان يكمن في إحساس المؤمن بالفرحة والسعادة وصفاء الروح والذهن، ما يمكنه من الاجتهاد في الصلوات، وقراءة القرآن، وزيارة المساجد لأداء الصلوات، والاعتكاف بقدر ما يستطيع خلال الشهر الكريم.
كما أنه شهر العطف علي الفقير، وشهر الرحمة وصلة الرحم، والإقبال علي حب الناس، ولهذا لم يكن شهر الصوم أبدا شهر للبذخ والاسراف والتبذير وملئ البطون، وسماع المسلسلات، والانشغال بشبكات التواصل الاجتماعي، بل هو شهر للعبادة والطاعة والإنابة، إنه يعد للمؤمن بمثابة عمرة وإصلاح العام كله من أجل تقويم النفس وإصلاحها، وتهذيب النفوس وسموها عن كل ملذات الحياة، فالرسول صلي الله عليه وسلم وهو قدوتنا، كانت سنته هو والصحابة بعد مشقة الصيام هو افطارهم علي التمر والماء وكسرات الخبز، ليدلنا ذلك علي أن سنة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم في شهر رمضان، هي الزهد والقناعة والصبر وزيادة العبادات من أجل التقرب إلي الله لنيل عفوه ورضاه.
إن رمضان شهر الرحمة والإحسان، وليس شهر للجشع والاحتكار، لأن الإسلام قد حرم الجشع والاحتكار، وحذر مرتكبيهم من مغبة ذلك، كما أن ارتكاب تلك الجرائم في حق الناس وبخاصة في شهر رمضان معناه مضاعفة الإثم وانتظار العقاب من الله، وذلك لأن الاحتكار وغيره من مظاهر الجشع والاستغلال بحجة غلاء الأسعار أو تحقيق الربح علي حساب الفقراء يتنافى مع قيم الإسلام وشرائعه السمحة، بسبب خروج مرتكبيه عن الحكمة التي من أجلها شرع الله البيع الحلال، والرأفة بالناس، كما أن شهر رمضان الذي يهل علينا بكرمه ونوره وجوده هو شهر للحرمة والتراحم بين الناس، وشهر للالتزام بقيم الإسلام وتعاليمه التي أمرنا الله بفعلها والالتزام بها عملا بسنة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي مننا كمسلمين إلا أن نتقي الله، ونقبل علي العبادة والطاعة والتقرب إلى الله، وحسن صيام رمضان وفق تعاليم الله، فلنعمر المساجد بإقامة الصلوات، وشد المازر، إقامة لياليه، وعدم التبذير والاسراف، وتدريب النفس علي الرضا والقناعة والحمد، وبشكر الله علي نعمه التي يجود علينا بها، وكل عام والأمة الإسلامية بألف خير.

