في الثاني عشر من فبراير 2026، وبخطى واثقة يغلفها هدوء الأكاديمي وحنكة النقابي المتمرس، أطل الكاتب الصحفي ضياء رشوان في ظهوره الأول وزيراً للإعلام عقب أول اجتماع للحكومة بتشكيلها الجديد.لم يكن مجرد حضور بروتوكولي لشغل مقعد استُحدث بعد غياب 5 سنوات، بل كان “بياناً للمكاشفة” وضع فيه الرجل يده على عصب الأزمة، معلناً بجرأة “ابن المهنة” أن الإعلام المصري يمر بأزمة حقيقية تستوجب تدخلاً جراحياً بمنطق “الحقائق لا الشعارات”.
واتسم الظهور الأول لـ “رشوان” بلغة جسد هادئة ومنفتحة، تعكس خبرات “مهندس التوافق” التي صقلها في أروقة الحوار الوطني، الوزير الجديد، الذي يحمل إرثاً أكاديمياً من جامعة “السوربون” ورصيداً بحثياً من “مركز الأهرام”، لم يأتِ ليمارس دور الرقيب، بل ليرسخ مفهوم “الإعلام المعلوماتي”، لقد عكس ظهوره الأول “حياداً مؤسسياً” ذكياً، فاستقالته الفورية من منصبه الحزبي كانت رسالة كاشفة بأنه سيقف على مسافة واحدة من الجميع، محولاً الوزارة إلى منصة “تكامل” تنسيقي لا سلطة رقابية خانقة، ومؤكداً أن استعادة الثقة بين المتلقي والوسيلة الإعلامية تبدأ من فصل الرأي عن الخبر، وإعلاء قيمة المعلومة المجردة فوق صخب التحليلات الموجهة.
ولأن الحلول المثالية لأوجاع المهنة لا تكمن في المسكنات، بل في هيكلة شاملة، تبرز خريطة الطريق للخروج من نفق الأزمات عبر 5 مسارات متوازية تبدأ بالمبادرة المعلوماتية، حيث شدد الوزير على ضرورة التحول من “رد الفعل” إلى “الفعل”، عبر إعلان الحقائق كأفضل وسيلة لمواجهة الشائعات ومأسسة لقاءات دورية مع الإعلام الدولي لشرح وجهة النظر المصرية بمهنية وتجرد.
ثم يأتي مسار التكامل المؤسسي عبر بناء “جسر” يجمع الوزارة بالهيئات الإعلامية الثلاث ونقابة الصحفيين، لتوحيد السياسة العامة للدولة دون المساس باستقلاليتها الدستورية، بما يضمن تناغم الأداء ومنع التضارب في الرسالة الإعلامية.
أما المسار الثالث فيركز على السيادة الرقمية من خلال صياغة رؤية وطنية شاملة للتعامل مع المنصات العالمية الكبرى، وتطوير “ماسبيرو” تقنياً ليصبح صانع محتوى منافساً في الفضاء السيبراني مستغلاً القوة البشرية الهائلة التي يمتلكها التليفزيون المصري بقنواته المتعددة والتي لا تحتاج سوى للتوجيه الصائب وإعادة التأهيل لمواكبة متطلبات العصر الرقمي أو هكذا نتمنى.
وفي المسار الرابع، يبرز إعلام الوعي والحرية كركيزة أساسية، حيث يتبنى رشوان مبدأ أن “حق النقد مكفول للجميع”، مع الاعتماد الصارم على الأرقام والقرائن لتشكيل الوعي بعيداً عن “التوجيه العاطفي” الذي ميز فترات سابقة.
وأخيراً، يأتي مسار الإصلاح الاقتصادي كضرورة ملحة لمعالجة الأزمات المالية المزمنة للمؤسسات القومية وتحسين بيئة العمل ومستوى معيشة الصحفيين والإعلاميين، لضمان استقلال المهنة واستقرار أبنائها، وتوفير الأمان الاقتصادي الذي يسمح بالإبداع والتميز المهني دون ضغوط مادية هذا ماتنتظره الجماعة الصحفية.
إن عودة وزارة الإعلام بقيادة شخصية بحجم رشوان، بما يمتلكه من قبول واسع وقدرة على إدارة التوازنات، تعكس رغبة حقيقية من الدولة في استعادة “القوة الناعمة” المصرية عبر خطاب مهني منضبط. لقد وضع رشوان حجر الأساس لعقيدة إعلامية جديدة تليق بما يمكن ان نراه توجها جديدا للحكومة، لكن التحدي الأكبر يظل في قدرة الجهاز الإداري والواقع العملي على تحويل هذه السردية إلى واقع ملموس يعيد للكلمة هيبتها وللإعلام دوره كعقل للدولة وضمير للمجتمع، ويرسل رسائل طمأنة واضحة للجماعة الصحفية بأن القادم يحمل انفراجة مهنية واقتصادية طال انتظارها وتبقى العبرة دائماً في آليات التنفيذ ومدى قدرة الوزارة الجديدة على تفكيك البيروقراطية المتجذرة في المؤسسات الإعلامية واطلاق العنان للمبدعين في إطار الحرية المسؤولة.
