تمثل منطقة منشية ناصر الرئة الحيوية التي تتنفس من خلالها القاهرة الكبرى بيئيا حيث يعيش مائة ألف مواطن يعتمدون بشكل كامل على جمع وتدوير ثمانية آلاف طن من المخلفات يوميا بمعدلات كفاءة تتخطى ثمانين بالمائة وهي أرقام تجعل من هذا المجتمع النظام الأقوى عالميا في التخلص من النفايات مقارنة بالشركات الحديثة التي لا تتخطى كفاءتها عشرين بالمائة.
اندلعت شرارة الغضب الأخيرة يناير الماضى عقب حريق ضخم نشب في مخزن لوقود المخلفات البديل المعروف باسم «آر دي إف»، مما استدعى تحركا حكوميا رفيع المستوى بقيادة الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة التي عقدت اجتماعا موسعا ضم الدكتورة ليلى إسكندر وزيرة التطوير الحضري السابقة والمهندس خليل شعت مدير تطوير العشوائيات بالقاهرة ونقيب الزبالين شحاتة المقدس لبحث حلول جذرية تنهي مسلسل الحرائق وتضع حدا للعشوائية التنظيمية التي تهدد الأرواح والممتلكات.
شددت الدكتورة منال عوض خلال المناقشات على ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة لمنع تكرار الكوارث، مؤكدة أن الحكومة لن تسمح بوجود أنشطة الوقود البديل داخل الكتلة السكنية في منشية ناصر وسيتم حظرها وتوقيع محاضر ضد المخالفين مع توجيه هذه الأنشطة حصرا إلى مصانع التدوير المتوافقة مع الاشتراطات البيئية والفنية.
أوضحت الوزيرة أن الهدف ليس قطع أرزاق العاملين بل تنظيم المنظومة بشكل رسمي وآمن عبر حصر شامل وتصنيف لكافة الورش والمخازن والصناعات الحرفية بالمنطقة لضمان دمجها في إطار مستدام يحقق التوازن الصعب بين استمرار مصدر الرزق ومتطلبات السلامة الصحية والبيئية التي تفرضها الدولة حاليا.
من جانبها ركزت الدكتورة ليلى إسكندر على أن الحل الحقيقي يكمن في تغيير ثقافة التعامل مع المخلفات عبر تفعيل منظومة الفصل من المنبع لدى المواطن المصري مما ينهي تماما الحاجة لفرز المخلفات العضوية يدويا داخل منازل منشية ناصر وتوجيه تلك المواد مباشرة إلى أماكن الاستفادة منها، حيث ترى إسكندر أن الحفاظ على الصحة العامة يتطلب وعيا مجتمعيا يدعم مجهودات الزبالين ويحول مهنتهم من عمل يدوي شاق ومحفوف بالمخاطر إلى صناعة منظمة تبدأ من باب الشقة وتنتهي بمصانع تدوير حديثة تلبي المعايير العالمية.
في المقابل أوضح شحاتة المقدس أن غياب التنظيم الحالي هو السبب الرئيسي وراء اندلاع الحرائق مطالبا بإعادة تخطيط شاملة للمنطقة تضمن حماية الأرواح دون المساس بمصادر دخل الآلاف من الأسر التي لا تعرف مهنة غير جمع القمامة. اتفقت رؤيته مع المهندس خليل شعت الذي أكد أن طبيعة النشاط الحرفي الحالية في منشية ناصر أصبحت تشكل خطورة داهمة تتطلب تطويرا فوريا لمنع تكرار الحوادث والحفاظ على سلامة المواطنين القاطنين في المنطقة السكنية.
يظل التوتر قائما بين رغبة الوزارة في التحديث وفرض الرقابة وبين خوف الزبالين من فقدان سيطرتهم على المادة الخام التي يعتبرونها ملكية خاصة اكتسبوها بجهودهم التاريخية في تنظيف العاصمة.
تتجه الأنظار الآن نحو مخطط التطوير الكامل الذي وجهت به الدكتورة منال عوض والذي يهدف لتحويل منطقة الزرايب من بؤرة للحرائق والمخاطر إلى مركز حضري للصناعات البيئية المتطورة.
نجاح هذا المخطط يعتمد بشكل كلي على مدى قدرة اللجنة المشكلة على إجراء حصر دقيق يرضي طموحات شحاتة المقدس وأبناء منطقته ويحقق في الوقت ذاته الاشتراطات البيئية الصارمة التي تضعها الدولة. إن المعركة الحالية في منشية ناصر ليست مجرد خلاف على ورشة أو مخزن بل هي صراع لتحديد هوية ومستقبل واحد من أكبر المجتمعات العمالية في مصر في ظل تحولات بيئية وتشريعية متسارعة تفرضها الحكومة، لضمان أمن وسلامة العاصمة.
اقرأ أيضاًرفع 424 إشغال طريق وتسليم 160 طن أسمدة في حملة مكبرة بالفشن لمواجهة التعديات
حصاد وزارة البيئة الأسبوعي.. مشاركة مصر في اجتماع مبادرة «الشرق الأوسط الخضراء»
