الرئيسية

«المضحكون الجدد» قادمون.. كوميديا رمضان بين رهان الشباب وتحدي النجوم – الأسبوع


الضحك راحة للنفس، ودليل على فطنة العقل، وباب من أبواب الفهم.. هكذا قال «الجاحظ»، أحد أئمة الأدب في العصر العباسي، وكأنها نبوءة منذ قرون، استشرفت حال الإنسان المعاصر الذي دهسه ضجيج الألم، ليأتي بعده بأكثر من ألف سنة، شاعرنا صلاح جاهين فيجاور الضحك بالحزن، كتوأمين ملتصقين، يعبر كل منهما عن الآخر بطريقته، وإذا أضفنا إليهما الدهشة، تكتمل ثلاثية الإحساس، لندرك أن الضحك ليس ترفا، ولا نقيضا للهيبة والوقار، وإنما مرادف للحكمة في كثير من الأحيان، فربما نضحك لأننا نفهم ما يدور حولنا، مثلما وصف أسطورة الضحك «تشارلي شابلن» الحياة بأنها: «مأساة من قريب، ولكنها كوميديا لو نظرنا إليها من بعيد»!.

هكذا، لم يكن الضحك فعلاً بسيطا أو عبثيا، بل فعل مركب يختبر حساسية الإنسان ووعيه، ورؤيته لنفسه وللعالم، أما في الدراما فالصورة أكثر تعقيدا، لأن كاتب التراجيديا يكتب جملة قصيرة (مستهلكة) كـ «نظرة حزن أو دمعة فراق» يستطيع بها أن يجذب تعاطف الجمهور، أما كاتب الكوميديا فعليه أن يعيد ترتيب الألم بشكل يمكن احتماله، يسير على حبل مشدود، مراعيا معادلة شبه مستحيلة: أن يجعل الجمهور يضحك، دون أن يشعر أن الضحك «مفروض عليه»، يجعله يضحك على أزماته، دون أن يشعر بالاستهزاء، ولا يمكن لكاتب أن يكتفي بجملة قصيرة «إيفيه» إلا لو كانت «جديدة» في عالم مليء بالقفشات، وحتى لو جاء بالإيفيه الجديد، فلن يمكنه الاعتماد عليه بالكامل، دون بناء موقف درامي يفجر مفارقة، مثلما وصف الأديب يوسف إدريس الكوميديا الحقيقية بأنها «تكشف الواقع وهي تضحك عليه»!.

وتزداد صعوبة الكوميديا، بتقديمها للجمهور المصري، لأننا شعب «ابن نكتة» نمتلك رصيدا تاريخيا عريقا من «التلقي»، وذاكرة كوميدية زاخرة بالعمالقة، شكلت الوجدان الجمعي، وميراثا شعبيا خلق ترمومترا يستشعر الإيفيه المصطنع والموقف المزيف، يدرك الفرق بين من يُضحكه، ومن يضحك عليه.

كما أن الكتابة الكوميدية مسؤولية ثقافية ثقيلة تتعامل مع وجدان جمعي يرى في الضحك سلاحا لمواجهة قسوة الواقع، ووسيلة للبقاء على قيد الحياة، وعلاجا لأمراض نفسية مستعصية، جاءت نتيجة منطقية للعيش في عالم لا يرحم.

ومع هلال رمضان، تهل مسلسلات كوميدية، منها ما يمثل «رهانا» على المستقبل، فهذا الموسم يشهد لحظة لافتة في مسار الكوميديا المصرية، بدخول ثلاثة من «الشباب» عبر بوابة البطولة المطلقة، بعد سنوات من البقاء كـ «سنيد» أو «داعم للبطل»، أو حتى «خاطف لقطة سوشيال ميديا»، جيل صاعد لا يقلد من سبقه، ولكن يكتشف لغته الجديدة في الإضحاك، حيث قفز كل من مصطفى غريب، وكزبرة، وأحمد رمزي، إلى واجهة المشهد، كأبطال يتصدرون الأفيشات، لأول مرة، في اختبار «ثنائي الصعوبة»: عمل درامي (كوميدي – رمضاني)، أولهم وفق الأقدمية «غريب»، الذي وجد فرصة عمره في دور «العترة» ابن «الكبير أوي» في أيقونة المواسم السابقة، وتوالت نجاحاته التي قدمت شخصيته الكوميدية البسيطة التي اعتبرها المشاهدون امتدادا لمدرسة الممثل الذي يضحكك لأنه صادق، لا لأنه يبالغ، ويقدم هذا الموسم بطولة مسلسل «هي كيميا»، بمشاركة «دياب» أيقونة الشر والضحك، معا.

أما المطرب أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، فيشارك ببطولة «بيبو»، كوميديا شعبية بمساندة النجمين سيد رجب وهالة صدقي، وكان «كزبرة» صنع اسماً في أقل من عامين، بسلسلة أفلام «الحريفة»، ودوره كـ«سنيد» للبطل محمد إمام في مسلسل «كوبرا»، وحصد بجملة واحدة «ع الدوغري أنا تعبان» ملايين الضحكات، مثلما أغرق ملايين العيون بالدموع في دوره القصير، بحلقة واحدة من مسلسل «الغاوي»، مع أحمد مكي، رمضان الماضي، بينما التجربة الثالثة، لليوتيوبر أحمد رمزي، الذي شارك في عدد قليل من الأعمال الدرامية، وكانت نقطة انطلاقه بحصده ملايين المشاهدات لـ«ريلز» على صفحته الشخصية بـ«فيسبوك»، عبارة عن «فيلم قصير» بمشاركة نجوم كضيوف شرف، أبرزهم هشام ماجد، جيهان الشماشرجي، أحمد الفيشاوي، وويجز، ويطل «رمزي» كبطل لأول مرة في كوميديا محلية بعنوان «فخر الدلتا»، بمساندة النجمين خالد زكي وكمال أبو ريا، لتفجير الضحك في رحلة التناقض بين ثقافة الريف وضوضاء المدينة، وهي مغامرة خطرة، باعتبارها فكرة مستهلكة درامياً.

وفي مغامرة أكثر خطورة، يخوض النجم ياسر جلال الامتحان الصعب، بمسلسل «كلهم بيحبو مودي»، حيث تخلى عن «القوة» في ملعبه «الأكشن»، نحو ميدان صعب يتطلب شيئاً من «الهشاشة»، مستعينا بـ «مصطفى أبو سريع»، يتحركان معا في حلبة الارتباك أمام الحب والحياة، بجوار ميرفت أمين وأيتن عامر، بينما يواصل الفنان كريم محمود عبد العزيز مشوار الكوميديا بمسلسل «المتر سمير»، يعكس خلاله عبثية الواقع، حين يصطدم القانون بالحياة، في أروقة المحاكم، وهزلية الأزمات الشخصية، معتمدا على خفة ظله، ورصيده في قلوب المشاهدين، مع قنبلتي الضحك محمد عبد الرحمن وإسلام إبراهيم.

نوع آخر من الكوميديا، يستهدف جمهور البيوت العامرة بالتجمعات العائلية، في مسلسل «بابا وماما جيران»، كتجربة جديدة لأحمد داود، بعد سلسلة أعمال جادة، وأول تعاون مع ميرنا جميل، التي أحبها الجمهور في الكوميديا التلقائية بسلسلة أجزاء «اللعبة»، و«البيت بيتي»، والرهان هنا على «كيمياء الشخصيتين»، وإحساس المشاهدين بأن الأحداث تمثل «قطعة من حياتهم».

أما الفنان أحمد أمين، فيواصل «اللعب في المضمون»، بالجزء الثاني من «النص»، يسافر عبر الماضي، في رحلة النصب والاحتيال، مع حمزة العيلي وأسماء أبو اليزيد، ويعتمد النجاح هنا على مزج حكاياته الشعبية بضحك جديد، دون الوقوع في فخ تكرار الأجزاء.

وكانت الكوميديا رفيقا لمواسم رمضان طيلة السنوات الماضية، وزخرت المكتبة بعشرات الأعمال الناجحة، لكبار النجوم عادل إمام، ومحمد صبحي، ويحيى الفخراني، ثم محمد هنيدي، وأحمد مكي، وآخرين، ممن صنعوا لحظات ضحك خالدة ارتبطت بذاكرة أجيال كاملة، ويشهد الموسم الحالي غيابا جماعيا لهم، مما يطرح سؤالاً حول «تغيّر شروط الضحك»، وتبدّل الزمن، وتشبّع الجمهور، وعدم اعتراف الكوميديا بـ«المجد القديم»، ويبقى السؤال مفتوحا: هل يعود الكبار برؤية جديدة تعيد تعريف الضحك، أم يتركون المساحة لـ«مضحكين جدد» ابتكروا لغة مختلفة يفهمها جمهور الزمن الحالي؟.

ولأن «موسم رمضان بمن حضر»، فإن المسلسلات الجديدة، باختلاف مدارسها، تدرك أن المشاهد المصري لا يضحك إلا حين يرى نفسه، أو يرى تناقضاته الداخلية معروضة أمام عينيه بذكاء، وصدق، وبين كوميديا الموقف، وقواميس الإيفيهات، وعبثية الحياة اليومية، يبحث صناع الكوميديا عن مساحات مشتركة للضحك، بين المراهقين والكبار، وينتظر الكل لحظات من الفرجة، تهوّن عليه الضغوط، وأخيرًا، فإن نجاح الكوميديا لا يقاس بعدد ضحكات لحظة العرض، بل بقدرتها على البقاء في الذاكرة بعد عودة الجمهور إلى واقعه، ونحن ننتظر من كوميديا رمضان، أن تكون إنسانية وصادقة بما يكفي، لتعيننا، جميعًا، على قسوة الحياة.

اقرأ أيضافي مسلسل «مناعة».. ميمي جمال تاجرة مخدرات

جرأة وأناقة.. سيرين عبد النور تسرق الأنظار بإطلالة ساحرة في حفلها بالأردن

دليل كامل لمسلسلات رمضان 2026.. كل النجوم والأعمال المنتظرة