تُعد العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي واحدة من أكثر ملفات التاريخ السياسي الحديث التباسًا وسوء فهم. فالسردية الشائعة، سواء في الإعلام الغربي أو في أدبيات الإسلام السياسي ذاتها، تُصوِّر المشهد كصراع وجودي بين حداثة علمانية وأصولية دينية.
ولكن قراءة الوثائق الصادرة عن مؤسسات أوروبية وأمريكية تكشف صورة أكثر تركيبًا، لأنه في لحظات تاريخية مفصلية، لم يكن الإسلام السياسي خصمًا للغرب بقدر ما كان أداة وظيفية ضمن ترسانته الاستراتيجية في الحرب الباردة، وسلاحًا سياسيًا موجهًا ضد القومية العربية ومشروعات التحديث الاجتماعي والاقتصادي في العالمين العربي والإسلامي.
وعند الانتقال من السرديات العامة إلى الدراسات المستندة على الوثائق، تتضح الصورة بشكل أكثر دقة.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ثلاثة كتب تناولت علاقة الإسلام السياسي بالغرب اعتمادًا على الأرشيف والوثائق الأوروبية والأمريكية الرسمية، وهي: «لعبة الشيطان» لروبرت دريفوس (2005)، و«التاريخ السري للتآمر بين بريطانيا والأصوليين» لمارك كورتيس (2010)، و«مسجد في ميونيخ» لإيان جونسون (2010).
تعرض هذه الكتب مجموعة وثائق أصلية، وتقدّم قراءة نقدية لها، تساعد على استيعاب الخلفيات الاستراتيجية التي شكّلت ملف الغرب والإسلام السياسي عبر العقود، بعيدًا عن التفسيرات المبسطة أو الخطاب الدعائي.
يستعرض روبرت دريفوس، في كتابه «لعبة الشيطان»، ملامح خطة الغرب المبكرة لإدماج الإسلام السياسي في الاستراتيجية الأمريكية منذ أربعينيات القرن العشرين. ومن خلال قراءته للوثائق، يتضح أن واشنطن لم تتعامل مع الحركات الإسلامية كخطر حضاري، بل كقوة اجتماعية محافظة يمكن توظيفها لإضعاف خصوم أكثر تهديدًا لمصالحها. فالقومية العربية، بما حملته من مشاريع لتأميم النفط وبناء الصناعة الوطنية وإقامة تحالفات مع المعسكر الاشتراكي، مثلت تهديدًا بنيويًا لمنظومة الهيمنة الغربية.
في المقابل، بدت الحركات الإسلامية — في الحسابات الأمريكية — قادرة على تعبئة الجماهير ضد الشيوعية واليسار دون أن تطرح نموذجًا اقتصاديًا أو صناعيًا ينافس الرأسمالية الغربية.
يتتبع دريفوس مسارات الدعم الأمريكي المباشر وغير المباشر للحركات الإسلامية في مصر خلال صراعها مع جمال عبد الناصر، ثم في سوريا والعراق في مواجهة حزب البعث والتيارات اليسارية، وصولًا إلى أفغانستان حيث بلغ توظيف الإسلام السياسي ذروته.
هناك تحوّل «الجهاد الإسلامي» إلى أداة جيوسياسية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي. ومن هذا المنظور، لم تكن الشبكات الجهادية العابرة للحدود انحرافًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لاستراتيجية واعية قامت على تسليح الدين وتدويله في سياق صراع دولي محتدم.
أما مارك كورتيس، في كتابه «التاريخ السري للتآمر بين بريطانيا والأصوليين»، فيعود إلى الجذور الأقدم لهذا التوظيف. فمن خلال أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، يتضح أن لندن أدركت منذ أواخر القرن التاسع عشر أن التهديد الحقيقي لإمبراطوريتها لا يأتي من الحركات الدينية التقليدية، بل من الحركات القومية الحديثة الساعية لبناء دول مستقلة ذات سيادة. لذلك دعمت القوى الدينية المحافظة، وشجعت استمرار الأنظمة الملكية التقليدية في الخليج العربي، باعتبارها ضمانة لاستمرار السيطرة على النفط ومنع نشوء دول وطنية راديكالية.
يوثق كورتيس العلاقات المبكرة بين بريطانيا وجماعة الإخوان المسلمين، والتسامح مع نشاطهم حين شكّلوا قوة معارضة للتيارات القومية واليسارية.
وفي هذا الإطار، يصبح الإسلام السياسي جزءًا من هندسة استعمارية لإدارة المجتمعات عبر قوى محلية محافظة تحول دون بروز مشروع تحديث جذري.
لم تجد بريطانيا في الإسلام السياسي تهديدًا مباشرًا لمصالحها، بل حائط صدّ في مواجهة الشيوعية والقومية العربية، وسدًا يحول دون إعادة توزيع الثروة أو بناء تنمية مستقلة.
ويأتي كتاب إيان جونسون «مسجد في ميونيخ» ليكشف البعد الأوروبي في هذه المعادلة.
يروي جونسون قصة مسجد ميونيخ بوصفه مركزًا لشبكات إسلامية مناهضة للشيوعية نشأت في قلب أوروبا الغربية بدعم غير مباشر من أجهزة الاستخبارات الأمريكية والألمانية الغربية.
وفي أجواء الحرب الباردة، جرى استقطاب وتمويل شخصيات إسلامية معادية للشيوعية والقومية العربية، ومنحها حرية الحركة والعمل لبناء شبكات دعوية وثقافية تحولت لاحقًا إلى بنية عالمية للإسلام السياسي.
يرصد جونسون الدور المحوري لسعيد رمضان، أحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين وصهر مؤسسها حسن البنا.
وُلد سعيد رمضان في مصر عام 1926، وبرز مبكرًا داخل التنظيم، ثم لعب دورًا رئيسيًا في تدويل المشروع الإخواني بعد صدام الجماعة مع نظام الرئيس عبد الناصر عام 1954.
انتقل رمضان إلى أوروبا وأسّس شبكة من المؤسسات والمراكز الإسلامية، وكان من أبرز مؤسسي المركز الإسلامي في جنيف، كما ارتبط بمشروع مسجد ميونيخ الذي أصبح لاحقًا نقطة ارتكاز للإخوان في أوروبا.
كان سعيد رمضان هو حلقة الوصل بين الإسلام السياسي والدوائر الغربية في زمن الحرب الباردة، وأسهم في تحويل الجماعة من حركة محلية إلى تنظيم دولي عابر للحدود ذو امتدادات فكرية ومؤسسية واسعة.
وبعد قراءة هذه الكتب المتخمة بالوثائق، يتضح أمامنا نمط استراتيجي ثابت، وهو أن القوى الإمبريالية لم تكن تخشى الإسلام السياسي بقدر خشيتها من الدولة القومية الحديثة ذات المشروع الاجتماعي والاقتصادي المستقل.
ضمن هذا الإطار يمكن النظر إلى الصهيونية والإسلام السياسي كوظيفتين متكاملتين داخل منظومة الهيمنة الغربية.
الصهيونية تجسّد نموذج الاستعمار الاستيطاني المباشر، عبر زرع كيان عدواني وظيفته هي ضرب وإعاقة أي مشروع تنموي تحديثي في العالم العربي.
أما الإسلام السياسي فيمثّل شكلًا من الاستعمار غير المباشر، يعمل على تفكيك الدولة الوطنية من الداخل بتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني.
لذا كان أثر الإسلام السياسي على مشروع التحديث العربي مدمرًا، إذ جرى نقل السياسة من مجال البرامج الاقتصادية والعقلانية إلى مجال العقائد غير القابلة للنقاش، ما أدى إلى شلل الحوار حول التنمية والعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة. كما أضعف خطابُه الدولة الوطنية حين قدّم الولاء الديني على الانتماء للوطن.
والأخطر أن التخلف الحضاري أُعيد تعريفه بوصفه «خصوصية حضارية تاريخية» تستحق الدفاع بدل أن يُنظر إليه كمشكلة تتطلب تحديثًا جذريًا.
هكذا تنكشف مفارقة لافتة في السياسة الغربية، فالخطاب الإعلامي يُقدَّم الإسلام السياسي كتهديد للحضارة الغربية، بينما في الممارسة السياسية يُستَخدم كأداة لإدارة الصراعات وتفكيك مشاريع الاستقلال والتنمية والتحديث.
لم ينتصر الاستعمار بالسلاح وحده، بل حين نجح في تحويل الدين إلى سلاح يُشهر في وجه العقل، وفي وجه الدولة الحديثة، بل وفي وجه فكرة الحرية نفسها.
اقرأ أيضاً«رأس الأفعى» واعترافات محمود عزت
مؤلف موسوعة «آلهة الدم»: كل ما تطرحه الجماعات الإرهابية لا يمثل جوهر الدين
«الحشاشين الجدد».. قراءة في فكر الصباح والبنا من القلاع السرية إلى التنظيمات المغلقة
