الرئيسية

أوهام الشاطر.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 74» – الأسبوع


كان حلم «خيرت الشاطر» بالترشح لرئاسة الجمهورية يحمل أكثر من دلالة، لقد كان الرجل على ثقة بأن الظروف باتت مهيأة للسيطرة على الدولة المصرية واقتناص المنصب فى ظل ضعف بقية القوى السياسية ومرشحى الرئاسة الذين أعلنوا عن أنفسهم، كما أن الإخوان على ثقة بأن المجلس العسكرى لن يتدخل وسيصدق فى وعوده بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة، كما حدث خلال انتخابات مجلسى الشعب والشورى.

وكان خيرت الشاطر قد استطاع «جس نبض» الأمريكان من خلال اللقاءات المتعددة التى أجراها مع السفيرة الأمريكية بالقاهرة وكبار المسئولين الأمريكيين والغربيين الذين زاروا مصر فى مرحلة ما بعد الثورة، وطمأنهم جميعًا على التزام جماعة الإخوان المسلمين باتفاقية السلام مع إسرائيل والحرص على المصالح الأمريكية فى المنطقة.

كان خيرت الشاطر يدرك أن هناك من يرى أن الوقت غير مناسب لترشح الإخوان للرئاسة، لأن ذلك قد يحمل مخاطر كبيرة فى الوقت الراهن، خاصة أن البلاد تعيش أزمة خانقة، ويجب على الإخوان المسلمين ألا يتحملوا المسئولية وحدهم، لأنهم، لن ينجحوا بكل تأكيد، وكان هؤلاء يرون أن تشكيل حكومة ائتلافية بقيادة حزب الحرية والعدالة يجب أن يحتل الأولوية على غيره فى الفترة الراهنة.

لم يكن خيرت الشاطر مقتنعًا بهذا الطرح، وراح يحرك عناصره فى كل اتجاه لإقناع المعارضين فى الجماعة بقبول ترشيحه لمنصب الرئيس، حيث كان قد تكتم هذا الأمر طيلة الشهور الماضية منتظرًا اللحظة المناسبة لطرحه والحصول على موافقة الجماعة.

وقد طلب الشاطر فى شهر مارس من عام 2011 من عدد من قيادات الجمامعة بذل جهودهم لدى المجلس العسكرى للتصديق على حصوله على العفو الشامل من الحكم الصادر بحقه باتهامه بغسيل الأموال والانتماء إلى جماعة محظورة تهدف إلى قلب نظام الحكم.

وقد بدأت هذه المحاولات على يد محسن راضى )عضو الجماعة، النائب السابق بمجلس الشعب( الذى أجرى خلال شهر مارس 2011 اتصالات باللواء محسن الفنجرى )عضو المجلس العسكرى( وطلبه منه ضرورة إقناع المشير بإصدار قرار بالعفو الشامل عن المهندس خيرت الشاطر.

كان خيرت الشاطر يُعد العدة فى سرية تامة، إلا أنه كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، وكان هو مهندس الخطة التكتيكية فى التعامل مع المجلس العسكرى والسعى إلى ممارسة الضغوط عليه تارة ومحاولة احتوائه وطمأنته تارة أخرى!!

كان يحفز شباب الجماعة والعناصر المرتبطة به على ضرورة ممارسة المزيد من الضغوط مع اقتراب فترة الترشح للانتخابات الرئاسية، لحسم الأمر وإجبار قيادة الإخوان على التراجع عن تصريحاتها الإعلامية بعدم الترشح لرئاسة الجمهورية فى هذه الفترة.

فى هذا الوقت أطلقت مجموعة من شباب الإخوان صفحة على «الفيس بوك» تحت عنوان «أنا إخوان وهانتخب مرشح إسلامى»، حيث قال الشباب على صفحتهم «إننا نرفض تصريحات المرشد الذى يرفض ترشح الإخوان على منصب الرئيس ونخالفه الرأى»، رغم أننا نخبه، ولكن الحق أحب إلينا من أنفسنا«، وراحوا يستشهدون بكلمات لمؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا قال فيها «إن القول بأن الجهر بالعودة إلى نظام الإسلام يخيف الدول الأجنبية والأمم الغربية فتتألب علينا وتتجمع ضدنا، ولا طاقة لنا بها، ولا قدرة لنا عليها، هذا منتهى الوهن، وغاية الفساد فى التقدير وقصر النظر، لأنه لن يجدينا شيئًا عندهم أن نتنصل من الإسلام، ولن يزيدهم فينا بغضًا أن نعلن تمسكنا به والاهتداء بهديه».

كانت كل المؤشرات حتى هذا الوقت تشير قبل ذلك إلى أن هناك احتمالاً أن يعلن الإخوان المسلمون تأييدهم ترشيح السيد منصور حسن وزير الإعلام الأسبق، لقد دار بيننا حوار طويل قبل ذلك، طالبته خلاله بأن يرشح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية، أبلغنى أنه سيفكر فى الأمر جديًا، وتواعدنا على الاتصال سويًا.. كان منصور حسن حتى وقت قريب رئيسًا للمجلس الاستشاري، إلا أنه قرر الاستقالة من موقعه، تحدثت مع الفريق سامى عنان حول ترشح منصور حسن، فأبلغنى أنه يرفض الترشح، قلت له: لقد حاورته وكان أقرب إلى الموافقة، قال لى: نتمنى ذلك وأن كنا لن نتدخل لصالح أحد على حساب الآخرين.

حتى هذا الوقت لم تكن جماعة الإخوان المسلمين قد حسمت أمرها وقررت الترشح لانتخابات الرئاسة، ولذلك حدثنى السيد منصور حسن وقال لي: لقد قررت الترشح وأرجو مقابلتك على الفور..

ذهبت إلى السيد منصور حسن فى منزله، وعقدنا جلسة مطولة، وقال لى: سيكون لى لقاء مع المشير طنطاوى والفريق سامى عنان، لقد طلبت لقاءهما لهذا الغرض، قلت له: »لن يكون للمجلس العسكرى موقف مساند لك، ستسمع كلامًا جميلاً، ولكن على أرض الواقع لن يفعلوا شيئًا، لأن لديهم حساسية شديدة فى مثل هذه الأمور«، قال لى: «وأنا لا أريد شيئًا، ولكن من باب الاحترام والعلاقة التى ربطتنى بهم فى الفترة الماضية أردت أن أحيطهم علمًا، وأظن أن غالبية المرشحين فعلوا ذلك«فى اليوم التالى اتصل بى السيد منصور حسن وأحاطنى علمًا باللقاء الذى جرى مع المشير ورئيس الأركان، وقال لى: كل ما سمعته منهم «ربنا يوفقك!!».

كان السيد منصور حسن يراهن على موقف الإخوان المسلمين، غير أن الإخوان كانوا فى هذا الوقت يجرون اتصالات بالمستشارين حسام الغريانى ومحمود مكى وطارق البشرى وجميعهم رفضوا الترشح لمنصب الرئيس، هكذا أبلغنى المرشد العام للجماعة د.محمد بديع خلال لقاء لى معه بمقر الجماعة بالمقطم.

فى هذه الأثناء قال كارم رضوان -عضو مجلس شورى الجماعة فى هذا الوقت-: «إنه من الوارد طرح مرشح من داخل الجماعة أو من المرشحين الحاليين أو ترك المسألة لحين غلق باب الطعون»، واستبعد أيضًا لجوء الجماعة لترك الباب مفتوحًا لأعضائها لاختيار مَنْ سيدعمونه من المرشحين الآخرين.

وقال رضوان: «إن مسألة الدفع بالمهندس خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام للجماعة واردة، وكذلك الدفع بأحد قيادات حزب الحرية والعدالة».

كانت الأنباء جميعها تشير إلى احتمال حسم الأمر لصالح اختيار المهندس خيرت الشاطر مرشحًا للجماعة لمنصب رئيس الجمهورية، إلا أن المعارضة لهذا الاقتراح لم تكن هينة.

لقد جرت مناقشات ساخنة فى وقت سابق، تخللتها تحذيرات من قيادات مهمة داخل الجماعة من خطورة الإقدام على هذه الخطوة وتحمل تبعاتها، إلا أن هذه الأصوات ذهبت سدًى فيما بعد.كان أنصار هذا الاتجاه يستندون إلى القرار الذى أصدره مجلس شورى الجماعة فى وقت سابق وأعلن رفضه تقديم مرشح للرئاسة، مستندًا فى هذا الوقت إلى عدة اعتبارات، أبرزها: إن الجماعة ترى أن الوقت الراهن غير مناسب للدفع بمرشح للرئاسة، لما يمكن أن يتركه هذا القرار من آثار سلبية بالداخل أو الخارج قد تنعكس على طبيعة الأوضاع السائدة فى البلاد فى هذه الفترة التاريخية تحديدًا.

– تحبذ أن يكون المرشح لمنصب رئيس الجمهورية فى هذه الفترة مرشحًا توافقيًا وليس إسلاميًا، على اعتبار أن ذلك من شأنه أن يبدد مخاوف الكثيرين، سواء كانت قوى سياسية أو اجتماعية أو دينية لا يتوجب الاستهانة برأيها.

– لا تريد أن تظهر أمام الرأى العام، وكأنها تعيد إنتاج الحزب الوطنى »المنحل« فى التكويش على السلطة واحتكارها وفرض السيطرة على جميع المواقع المهمة والمؤثرة «البرلمان ـ الحكومة ـ رئاسة الجمهورية»، لأن ذلك سيؤثر بالسلب على شعبية الإخوان.

– تخوف من تكرار سيناريو «حركة المقاومة الإسلامية ـ حماس»، حيث رحب العالم فى البداية بفوزها الكاسح فى الانتخابات التشريعية، وبعد أن شرعت فى تشكيل الحكومة برئاسة إسماعيل هنية، بدأت الحرب تستعر ضدها، من الحصار إلى التصفية!!.

لكل هذه الأسباب وغيرها التى كانت مجالاً للنقاش داخل مجلس شورى الجماعة تم رفض الفكرة بغالبية الأصوات، غير أنه وبعد التطورات التى شهدتها البلاد والأزمة المتصاعدة مع الحكومة، جرى طرح الفكرة مجددًا أمام مجلس شورى الجماعة الذى ناقشها فى أكثر من اجتماع.

قبيل طرح هذه الفكرة ومع تصاعد الأزمة بين جماعة الإخوان وحزبها الحرية والعدالة من جانب وحكومة الدكتور كمال الجنزورى من جانب آخر، قرر خيرت الشاطر التوجه إلى المجلس العسكري، حيث التقى فى البداية الفريق سامى عنان )رئيس الأركان( وعرض عليه الفكرة التى تقول بأن الإخوان لديهم استعداد لجلب استثمارات وقروض تصل إلى مائتى مليار دولار إذا ما مُكنوا من تشكيل الحكومة، يومها طلب الفريق سامى عنان مهلة من الوقت لعرض الأمر على المشير طنطاوى وتحديد موعد للقاء.

وبالفعل التقى المشير والفريق وبعض أعضاء المجلس العسكرى المهندس خيرت الشاطر ود.محمد مرسى وأعيد طرح الاقتراح مجددًا، فوعد المشير بدراسة الأمر وشكَّل لجنة من أعضاء المجلس العسكرى لهذا الغرض.

واجتمعت اللجنة التى ضمت 9 يمكن تسميتهم بممثلين عن الحمائم والصقور داخل المجلس العسكرى، هناك من كان يرى منحهم الفرصة لإثبات مدى جديتهم، بينما رأى آخرون أن هذه الوعود ليست لها ضمانات تؤكدها، وأن حكومة الجنزورى تؤدى مهامها بكل نزاهة وإخلاص، وأن تشكيل الإخوان للحكومة فى هذا الوقت تحديدًا وقبيل انتخابات الرئاسة يمكن أن يؤثر على مسار الانتخابات بشكل أو بآخر..

يومها لم يكن فى ذهن الإخوان الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، وكان الاتجاه هو تشكيل الحكومة، حتى لا تتحمل الجماعة تبعة المشكلات التى تعيشها البلاد والملقاة على كاهل الرئيس المنتظر بالأساس..

عندما عُرضت نتيجة الحوارات التى أجرتها اللجنة المشكَّلة من المجلس العسكرى على المشير حسين طنطاوى كان من رأيه: رفض اقتراح تولى جماعة الإخوان تشكيل الحكومة فى هذا الوقت، واستمرار حكومة الجنزورى فى أداء مهامها، وقال: »عندما يجرى انتخاب رئيس جمهورية جديد سيكون هو المسئول عن اختيار الحكومة الجديدة، وسواء جاء بها من الإخوان أو من غيرهم فستكون تلك هى مسئوليته، أما أنا فلن أتحمل مسئولية تشكيل حكومة إخوانية، بينما الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس أو غيره لا يعطيهم هذا الحق«.

خلال شهر مارس 2012، بدأت اجتماعات مجلس شورى الإخوان تأخذ منحى جديدًا ومختلفًا، لقد أدرك الإخوان أنه لا يوجد بين المرشحين الرئاسيين حصان رابح حتى هذا الوقت، وأن المجلس العسكرى مصمم على إجهاض حلم الإخوان بتشكيل حكومة برئاسة إخواني، كما أن الاقتراح الذى جرى التقدم به للمجلس العسكرى تم رفضه، وهكذا كان قرار الحسم باتجاه وجهة النظر القائلة بضرورة التقدم بمرشح للإخوان ينافس على مقعد الرئيس.

وبعد اجتماعات عديدة، ونقاشات مطولة، وحوارات مع قوى إسلامية وسلفية، أعلن د.محمد بديع )المرشد العام لجماعة الإخوان( مساء السبت 31 مارس عن قرار مجلس شورى الجماعة بترشيح المهندس خيرت الشاطر لانتخابات الرئاسة، إذ وافق على الترشيح 56 عضوًا من أعضاء مجلس شورى الجماعة البالغ 108 أعضاء، فى حين بينما اعترض 52 عضوًا على الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو أمر أحدث ردود فعل عديدة داخل الجماعة وخارجها.. كان أبرزها إعلان د.كمال الهلباوى )مسئول التنظيم الدولى السابق للإخوان( استقالته على الهواء، اعتراضًا على القرار من خلال برنامج العاشرة مساء على قناة دريم.

.. لم يكن هناك تبرير مقنع للتراجع عن قرار عدم ترشيح إسلامى أو إخوانى للانتخابات الرئاسية، غير أن د.محمود حسين )الأمين العام للجماعة( برر هذا الموقف بالقول: »إن تراجع الجماعة عن قرارها السابق جاء بسبب أن الوضع فى مصر أصبح مقلقًا، مع محاولات عرقلة عمل الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور والدفع بمرشحين محسوبين على النظام السابق، بالإضافة إلى رفض المجلس العسكرى إقالة الحكومة.

وقال الأمين العام للجماعة: «إن الجماعة لاحظت خلال الأيام الماضية وجود تهديد لإجهاض الثورة المصرية، وأن الجماعة حاولت التواصل مع جميع التيارات السياسية، وتشاورت مع العديد من الشخصيات غير المنتمية للجماعة بشأن الترشح، لكنها اعتذروا لظروف خاصة بهم، وأنه من خلال شعور الجماعة بمخطط إجهاض الثورة كان قرارنا الدفع بمرشح للرئاسة».

وقال الدكتور محمد مرسى، رئيس حزب الحرية والعدالة، الذى لم يكن ترشح بعدُ احتياطى للمهندس خيرت الشاطر: «إن هذا الموقف ليس تغييراً لمبادئ الإخوان، ولكن هذا القرار جاء وفقًا للمستجدات الداخلية والخارجية التى دفعت الجماعة لاتخاذه».

أما جماعة الإخوان فقد أصدرت بيانًا بررت فيه تراجعها عن وعدها السابق، إلا أن البيان كان مجرد تبريرات لم تقنع أحدًا.

وينشر موقع «الجمهور» يوم الجمعة من كل أسبوع، شهادة الكاتب والبرلماني مصطفى بكري عن أزمات وأحداث كان شاهدًا عليها، خلال فترات حكم الرئيس السادات والرئيس مبارك والمشير طنطاوي ومرسي والرئيس السيسي.

اقرأ أيضاًتعديل الحكومة.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 73»

الاجتماع السري.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 72»

«الأزمة تتفاقم».. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 71»