
صعوبات تواجه سوق نقل الأفراد في الجزائر (فرانس برس)
تراهم في سياراتهم المركونة في مواقف أضحت معروفة لدى الزبائن، كما تلاحظهم وهم يحملون مفاتيح السيارات ويعرضون توصيلة لمن يمرّون بجانبهم، إنهم سائقو “التاكسي” غير النظاميين في الجزائر أو من يعرفون محليا باسم “كلانديستان”، وهي كلمة بالفرنسية درجت في اللهجة المحلية تعني غير شرعي.
ظاهرة الناقلين غير المرخصين تعرف انتشارا واسعا في الجزائر وتتوسع أكثر في الأرياف والمدن ذات الكثافة السكانية العالية، مدفوعة بالعديد من العوامل، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب وتراجع تغطية وسائل النقل النظامية وارتفاع أسعارها، إن وجدت، ما جعل البعض يعتبرون الظاهرة حلا لوضع قائم رغم مجموعة السلبيات التي لا تخلو منها، على صعيد السلامة العمومية والحفاظ على النظام العام، فضلا عن الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها الخزينة العمومية.
ضرورة فرضها غلاء المعيشة
محمد شاب من مدينة تيبازة (غرب الجزائر العاصمة)، امتهن هذا العمل منذ ست سنوات مصدر دخل إضافياً لجأ اليه لتحسين قدرته الشرائية ومواجهة ارتفاع الأسعار، فعلى الرغم من كونه موظفاً في البلدية بدوام كامل، إلّا أنّه يستغل ساعات بعد الدوام لنقل الأشخاص بسيارته الخاصة مقابل أجرة تحدد وفقا لمجموعة من المعايير. في حديثه مع “العربي الجديد”، أوضح محمد، الذي رفض ذكر اسمه الكامل، أنّه يتفق مسبقا على أجرة النقل مع الزبون، فهي تحدّد بناء على المسافة المراد قطعها ومكان الوجهة المقصودة، وإن كانت هذه الأجرة محل تفاوض بين الطرفين.
وكشف عن أنّه يستعين بهذا النشاط من أجل تحسين مستواه المعيشي والتكيّف مع الارتفاع المستمر لأسعار المنتجات في السوق الداخلية. ولم يخفِ محدثنا المخاطر التي يتعرض لها هذا النوع من السائقين “غير النظاميين” أثناء أداء هذه المهنة، بحكم أنّه لا تأمين لهم ولا ضمان يحميهم في حال التعرّض للأخطار، وروى قصصا واقعية عن بعض زملائه ممن تعرضوا للسرقة أو العنف من قبل الزبائن، وآخرين تورطوا في قضايا قانونية بعدما تم إيقافهم على حواجز أمنية والعثور على ممنوعات في السيارة حاول الزبائن نقلها، وتُوبع هؤلاء السائقون جراء ذلك.
ومن جهته، أشار طارق (شاب آخر يعمل في هذا النشاط)، إلى أنّه يفضل التعامل مع الزبائن الذين يعرفهم فقط لتفادي الوقوع ضحية للأشخاص الذين ينقلهم، وأوضح أنّه على مدار سنوات اشتغل فيها بالمجال كوّن “شبكة” من الزبائن يتصلون به هاتفيا لطلب نقلهم ونقل أفراد عائلاتهم، فيما قال إنّ العمل في هذا المجال ليس مربحا بالقدر الكبير لكنه “رزق حلال”، حسب تعبيره، يغطي احتياجاته الأساسية.
ظاهرة قديمة تتوسع في الجزائر
قال الخبير في الشأن الاجتماعي كمال العيادي إنّ ظاهرة الناقلين بالأجرة “غير النظاميين” ظاهرة قديمة، عرفت انتشارا أسرع في السنوات القليلة الماضية مدفوعة بالعديد من العوامل، أبرزها اقتصادية، فهي تمثل نشاطاً تفرضه ظروف المعيشة التي تزداد صعوبة جراء غلاء أسعار المنتجات، بصرف النظر عن الجوانب القانونية المرتبطة بهذا النوع من الممارسات.
وأشار المتحدث، في مداخلة مع “العربي الجديد”، إلى أنّ معظم من يزاولون النشاط تجدهم مقتنعين بأنّهم يكسبون لقمة العيش بالحلال، فهم يتقاضون أجرة مقابل خدمة يوفرونها للزبائن، وإن كانت لا تخضع لرخصة من الجهات الرسمية، بل أكثر من ذلك فهم يملأون فراغا بسبب عدم توفر وسائل النقل “المرخصة” بالشكل الكافي، لا سيما في مناطق معينة من البلاد، فضلا عن طبيعة الخدمة السيئة أحيانا التي يتعامل على أساسها سائقو سيارات الأجرة.
إلى جانب هذا، ذكر الخبير مبررات أخرى لتزايد هذه الظاهرة أخيرا، وأورد من ضمن ذلك ارتفاع تكاليف الصيانة الدورية للسيارة وارتفاع أسعار قطع الغيار نظرا للعديد من الاعتبارات، وبالتالي فإنّ جلبها مدخولاً إضافياً لتغطية هذه النفقات أضحى ضروريا.
تعسف وتجاوزات
أما ما يرفضه المجتمع، حسب المختص، فإنه ما يشوب ممارسة هذا النشاط من تعسف أو اختلال أو تجاوزات في بعض الأحيان، كأن يطالب السائق بأجرة عالية جدا مستغلا حاجة المواطنين، بدليل الرواج الذي عرفته التطبيقات الخاصة بنقل المسافرين والمواطنين، اعتبرها محدثنا نسخة محدثة من هؤلاء الناقلين غير الشرعيين كون هذه التطبيقات لا تحوز على الضمانات والتأمينات الضرورية، وبالتالي فإن هذه الظاهرة أصبح معترفاً بها عرفياً وأثبتت وجودها اجتماعياً، وإن كانت غير قانونية.
أما بالنسبة للخبير الاقتصادي والمالي أبو بكر سلامي، فقد اعتبر أن الظاهرة فرضت وجودها مجتمعياً، فهي تستدعي الاحتواء من طرف السلطات العمومية كما فعلت مع تجار “الشنطة” الذين أدرجتهم ضمن المقاول الذاتي في خطوة لترسيم نشاطهم، وعلى هذا الأساس دعا إلى إيجاد مخرج لهم بشكل يضمن حقوق الخزينة العمومية من الرسوم والجباية والحفاظ على مناصب الشغل ومصادر رزق هؤلاء، بالإضافة إلى تنظيم وتأمين نشاطهم. وأشار المتحدث في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أهمية الأخذ بعين الاعتبار ضمان المساواة بين من يوفرون خدمات النقل، ومنهم سائقو سيارات الأجرة المرخصون، وتجنب المنافسة غير الشرعية بينهم، كما هو الشأن أيضا بالنسبة للشركات التي تقترح منصات لتطبيقات النقل، فهي تستدعي أيضا أخذها بعين الاعتبار.
