ظاهرياً، يبدو الاقتصاد تطوراً طبيعياً للتمويل وأدوات التمويل: برامج البيع التي تنتشر بين الشباب، وسهولة الحصول على النقد، وشركات التمويل الاستهلاكي التي تقدم القروض بضغطة زر.
ولكن خلف هذا التغير التكنولوجي السريع، تجري تغييرات أكثر عمقا في بنية الاقتصاد ذاته، وربما في العلاقة بين الحكومة والبنوك والناس. ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بالمنافسة بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، بل يتعلق بالتحول التدريجي من اقتصاد يعتمد على الجليد داخل البنوك، إلى اقتصاد تتدفق فيه الأموال بسرعة أكبر خارج القنوات التقليدية.
لسنوات عديدة، اعتمدت البنوك المصرية على معادلة مستقرة: الودائع طويلة الأجل، وشهادات الإيداع ذات العائد المرتفع، والنقد الذي يبقى في البنوك لفترة طويلة. وقد أعطى هذا النموذج البنوك كل القدرة تقريبًا على إدارة الأموال، والقروض المباشرة، والقروض الحكومية، وتحقيق أرباح ثابتة.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير. وبسبب ارتفاع الأسعار وفقدان الدخل من البنك، بدأت مجموعة كبيرة من الشباب بالبحث عن بدائل أكثر مرونة وربحية. واليوم، أصبح من الممكن شراء كمبيالة، أو الدخول إلى صرافة، أو تحويل الأموال بين الأجهزة المختلفة خلال دقائق عبر الهاتف المحمول، دون الحاجة إلى المرور عبر القنوات المصرفية.
وهنا يبدأ القلق الحقيقي داخل القطاع المصرفي، لأن المخاطرة لا تعني أن جزءاً من الأموال سيخرج من البنوك، بل سيتغير سلوك المدخر. لقد تم بناء البنوك التقليدية على افتراض أن الأموال “سوف تتدفق ببطء” وأن الودائع ستكون مستقرة داخل البنوك، ولكن الاقتصاد الرقمي الجديد يخلق نوعا مختلفا تماما من المال: أموال سريعة، ومتنقلة، وحساسة لأي تغيير في التوقعات، أو الأسعار، أو الشائعات.
وهذا التغيير يضع البنوك في مقدمة مشكلة غير مسبوقة: كيف يمكن الحفاظ على النموذج المصرفي الذي يعتمد على الودائع الثابتة، في وقت يتم فيه تحويل الأموال بشكل فوري بين الذهب والعملات وسوق الأوراق المالية والدولار والخدمات المالية المختلفة؟!
وقد بدأت الدراسات الحديثة بالفعل في رصد هذه التغييرات. وأظهرت دراسة نشرت في مجلة Future Business Journal عن البنوك المصرية أن التكنولوجيا المالية لم تعد أداة لتحسين العمليات، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على تكوين رأس المال وربحية البنوك وسداد القروض.
وأظهرت بعض الدراسات أيضًا أن نمو الخدمات المالية الرقمية بدأ في خلق طرق جديدة لمخاطر الائتمان خارج النظام المصرفي التقليدي.
ولكن ربما كان التغيير الأكثر خطورة هو صعود صناعة التمويل الاستهلاكي. ولا تقدم هذه الشركات خدمة محدودة فحسب، بل إنها تعمل أيضاً على إعادة هيكلة العلاقة بين الاستهلاك والائتمان. فبدلاً من ربط الاستهلاك بارتفاع الدخول الحقيقية أو زيادة الإنتاجية، أصبح من الممكن زيادة القوة الشرائية من خلال الائتمان السريع.
وهنا تظهر المفارقة الأهم: الاقتصاد لا يحل مشكلة ضعف القوة الشرائية، لكنه يوقف الديون.
هذه الطريقة ليست جديدة على الإطلاق. وقد حذرت العديد من المقالات المالية حول “اشتر الآن، وادفع لاحقاً” من أن الزيادة السريعة في الإنفاق الاستهلاكي يمكن أن تؤدي إلى أزمة ائتمانية، حيث يرتفع الإنفاق الاستهلاكي بينما يظل الإنفاق الحقيقي على حاله. والخطر هنا لا يتعلق فقط بارتفاع احتمال الخيانة الزوجية، بل بطبيعة الاقتصاد نفسه. ينمو الائتمان المخصص للاستهلاك أكثر من الائتمان المخصص للإنتاج، ويتغير الائتمان من أداة إنتاج إلى أداة تخزين للطلب والاستخدام قصير الأجل.
وفي اقتصاد يعاني بالفعل من فجوة الدولار وانخفاض الإنتاجية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى:
– ارتفاع معدل التضخم.
– زيادة الواردات.
– إنها خسارة إضافية للعملة الأجنبية.
ولكن ربما كانت القضية الأعمق هي أن البنوك ذاتها بدأت تفقد سمعتها في الأحداث الاقتصادية الكبرى. تقليديا، تؤدي البنوك ثلاث وظائف رئيسية: توفير المال، وتقديم القروض، وإدارة المدفوعات.
واليوم، تتعطل هذه الخدمات ببطء، حيث تتنافس المحافظ الإلكترونية مع الحسابات المصرفية، وتتنافس الشركات المالية مع القروض، وتتنافس الشركات مع الودائع، وتدير شركات التكنولوجيا المالية التدفق اليومي للأموال.
أي أن البنك لم يعد مركز النظام المالي كما كان، بل أصبح طرفاً ضمن الاقتصاد ومشاكل كثيرة.
وهنا تظهر مفارقة كبيرة. وفي الوقت نفسه تريد الحكومة ما يلي:
– جذب الأموال من البنوك وتمويل الدين العام والحفاظ على استقرار سوق الصرف الأجنبي.
لكن الاقتصاد الرقمي الجديد يعمل في الاتجاه المعاكس تماما: ظهور الأموال المحمولة، والمدخرات غير المستدامة، والتدفق المتزايد للأموال والتدفق السريع للموارد.
وعلى هذا فإن الصراع الحقيقي ليس بين العمل المصرفي والتكنولوجيا، بل بين نموذجين مختلفين تماما للتمويل: أحدهما يعتمد على رأس المال الثابت الطويل الأجل، والآخر يعتمد على رأس المال الكمي والرقمي.
ولهذا تبدو هذه المشكلة أكبر بكثير من انتشار البرمجيات التجارية أو الشركات الصغيرة. ربما نشهد بداية تغير عميق في الاقتصاد، وهو التحول من الاقتصاد التقليدي القائم على النقد إلى الاقتصاد الرقمي. وفي مثل هذا الاقتصاد، القوة الحقيقية ليست في أيدي من يملكون البنوك، بل في أيدي من يملك القدرة على جذب الأموال وتحريكها بسرعة بين الناس. وهي معركة بدأ يظهر شكلها الآن داخل القطاع المالي المصري، رغم أنها غير محددة بشكل واضح.
اقرأها مرة أخرىالبنوك تصدر شهادات ذات عائد مرتفع قرب اجتماع البنك المركزي المصري
بعائد 22%.. مستندات الإيداع في بنك مصر والبنك الأهلي قبل قرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة
البلاتينية مع عائد على الرسوم الدراسية يصل إلى 22%.. تفاصيل منحة البنك الوطني 2026
