د.طارق هلال
في اللحظة الأكثر أهمية في العالم، تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الصينية بكين، حيث بدأ اللقاء الأميركي الصيني بلقاء بين الرئيس شي جين بينغ ودونالد ترامب، في لقاء لا يبدو وكأنه لقاء سياسي أو اقتصادي، بل مكان سيحدد شكل المعايير الدولية في الفترة المقبلة.
وتحدث الرئيس الصيني عن أهمية “إقامة علاقة استراتيجية بين البلدين”، فيما وصف ترامب اللقاء بأنه الأكبر من نوعه، مؤكدا رغبته في علاقات تجارية أكبر مع الصين.
وفي قلب اللقاء، يبدو أن هناك أجندة مجهولة تتجاوز حدود العلاقات التجارية، إذ تبحث واشنطن وبكين مستقبل التعاون الدولي، بدءاً بالملف النووي الإيراني وأمن مضيق هرمز، مروراً بمشكلة تايوان وبحر الصين الجنوبي، وصولاً إلى الاستخبارات العالمية والسيطرة الاستخباراتية.
كما يناقش ملفات غزة وترتيبات “ما بعد حماس” ومستقبل حظر الأسلحة النووية بعد إعلان روسيا مواصلة تطوير قوتها النووية، بما في ذلك مستقبل أمن الطاقة العالمي والتعاون الدولي الجديد.
ولا يناقش المؤتمر إدارة الصراع بين القوتين الاقتصاديتين الرئيسيتين فحسب، بل يريد أيضا إرساء “قواعد دولية منسقة” تمنع تحول الصراعات الاقتصادية والتكنولوجية إلى صراع عسكري، في عالم تدور فيه حروب النفوذ من خلال التكنولوجيا والقنوات البحرية والطاقة والبيانات والاقتصاد الرقمي، بدلا من أن تديرها القوى العسكرية التقليدية.
وتأتي زيارة ترامب للصين في وقت حرج في المفاوضات بين واشنطن وطهران، خاصة مع تزايد الأصوات الأميركية التي تؤكد أن إيران اقتربت من الوصول إلى مستوى التخصيب العسكري.

ومع قول وزير الطاقة في الولايات المتحدة إن إيران على بعد «أسابيع» من امتلاك القدرة على تطوير الأسلحة النووية، يبدو أن واشنطن تواجه مشكلة صعبة: كيفية منع إيران من امتلاك رادع نووي دون الدخول في حرب واسعة النطاق يمكن أن تشعل المنطقة برمتها.
ومن ناحية أخرى، تتحرك الصين بحذر شديد، لأنها تريد الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي من ناحية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تفقد تعاونها مع طهران.
وأدت التقارير التي تحدثت عن خطط الصين لإرسال المزيد من الأسلحة إلى إيران إلى زيادة الاهتمام بالوضع، خاصة بعد المحادثات حول توفير أسلحة للدفاع عن النفس.
رغم كل ذلك، عادت الصراعات الخليجية الإيرانية إلى الواجهة، بعد أن شن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هجوما على الإمارات العربية المتحدة رغم رفض أبو ظبي لما تردد عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما يظهر اهتمام الإيرانيين المتزايد بأي تحركات إسرائيلية داخل الخليج، خاصة في ظل زيادة الأمن.
ولم يعد الصعود سياسيا، بل وصل إلى الميدان، بعد التسرب النفطي من الخزان الإماراتي الموجود على سواحل سلطنة عمان إثر الهجوم الإيراني، في عرض خطير لاحتمال تفاقم الصراع البحري داخل مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.
ومع كل اضطراب داخل هرمز، يتنامى خوف العالم على الفور، بعد أن بدأت شركات الشحن الكبرى تتحدث عن خسائر كبيرة، ومن بينها هاباج لويد، التي أظهرت خسائر أسبوعية بعشرات الملايين بسبب تعطل الحركة الجوية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
في الخلفية، يتم تشغيل بعض الملفات غير الضارة. وتتحدث تقارير أميركية عن تحرك “مجلس ترامب للسلام” لدفع نظام جديد في غزة على أساس ترتيب “ما بعد حماس”، وهو ما يظهر الحركة الأميركية للإصلاحات السياسية والأمنية في المنطقة، حيث تعمل القوى الكبرى أحيانا على بدء أو تقليص ملفات أخرى لإعادة توزيع الضغط على السياسيين والإعلام وتجديد الأولويات الدولية.
لكن روسيا أعلنت استمرار تيار قوتها النووية، في رسالة واضحة مفادها أن العالم عاد مرة أخرى إلى مرحلة استراتيجية الردع، حيث لم تعد القوة الاقتصادية وحدها كافية، بل عادت القوة العسكرية والنووية لتفرض حضورها القوي في معادلات السياسة الدولية.
وفي قلب هذا التغيير، تبدو آسيا الوسطى واحدة من أكثر المناطق عرضة للخطر، حيث تهدد الحرب الإيرانية الكبرى مستقبل الاستثمارات الخليجية المتجهة إلى آسيا، خاصة مشاريع الطاقة والبنية التحتية والتعاون التجاري التي ضختها دول الخليج بمليارات الدولارات في السنوات الأخيرة.
تعود أحداث حرب العراق وتأثيراتها على الحسابات الآسيوية إلى الواجهة، خاصة مع اليابان التي تدرك أن أي ارتفاع في هرمز يهدد أمنها بشكل مباشر، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تكرار أحداث التحرك بالكامل وراء المصالح الأمريكية، كما حدث في حرب العراق.
أما باكستان، فرغم أنها لا تشارك بشكل مباشر في الاجتماع، إلا أنها تراقب نتائجه بعناية شديدة، بسبب علاقتها العميقة مع الصين واعتمادها الاقتصادي على مشاريع “الحزام والطريق”، إضافة إلى تخوفها من عواقب أي انفجار إقليمي على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي داخلها.
وتدرك إسلام آباد أن أي تفاهم أميركي صيني فيما يتعلق بإيران أو الخليج سيعيد تشكيل الجزء المهم من المجال الآسيوي.
الملفت في الأمر أن الاجتماع الحالي ليس اجتماعا دوليا كبيرا، بل اجتماعا مغلقا يضم مجموعتي صنع القرار في أميركا والصين، بحضور شخصيات سياسية واقتصادية وأمنية بارزة، وعلى رأسهم ترامب وشي جين بينغ، إلى جانب شخصيات أميركية بارزة من مكاتب الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، ما يدل على أن النقاش لا يتعلق بمستقبل التجارة، بل يتعلق بالقوة الدولية.
ولعل أخطر ما في الأمر هو أن العالم اليوم يقف أمام لحظة إصلاح النظام الدولي، حيث لم تعد الحروب تخاض بالسلاح، بل بالطرق البحرية والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتعاون العابر للقارات.
وسيكون من المهم إضافة بعد آخر لهذه العملية، وهو “حرب السيطرة على السلاسل الدولية”، لأن أي اضطراب في هرمز أو بحر الصين أو الطرق الدولية لن يؤثر على النفط فحسب، بل سيؤثر أيضا على الغذاء والتكنولوجيا وأشباه الموصلات والصناعات المتقدمة، وهو ما يجعل اجتماع بكين ليس اجتماعا سياسيا فحسب، بل محاولة لخلق عالم المستقبل.
إن العالم اليوم لا ينتظر نتائج لقاء ترامب وشي جين بينغ فحسب، بل ينتظر أيضا ما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على حل صراعاتها دون انفجار كبير، أو ما إذا كانت الإنسانية تقف بالفعل على حافة المسرح العالمي وهو أكثر صعوبة وأصعب من أي وقت مضى.
اقرأها مرة أخرىترامب: الرئيس الصيني ملتزم بدعم حرية الملاحة عبر مضيق هرمز
الصين وأمريكا… فرصة للعمل معًا لتعزيز الاستقرار العالمي بعد زيارة ترامب لبكين
