أخبار العالم

اقتصاد الخوف.. كيف أعادت القوى الكبرى تشكيل العولمة؟ – الأسبوع


يمثل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ تحولا لحظيا أعمق بكثير من مجرد نزاع بين قوتين عظميين.

واليوم، لا يشهد العالم حرباً باردة جديدة بالمعنى التقليدي، بل يشهد انتقالاً إلى نظام اقتصادي جديد يمكن وصفه بالاقتصاد الجغرافي، حيث تصبح التجارة والتكنولوجيا والطاقة والمال وسلاسل التوريد أدوات للصراع والسيطرة وضبط النفس.

والفكرة الرئيسية هنا هي أن العولمة لم تعد مدفوعة باعتبارات اقتصادية، بل باعتبارات الأمن المستدام، وبالتالي فإن السؤال لم يعد: من ينتج المزيد؟ بالأحرى: من سيزعج الآخرين أكثر؟

ويفسر هذا التحول في التفكير العديد من القضايا الكبرى التي تبدو غير مرتبطة ببعضها مثل الحرب على أشباه الموصلات، وأندر الأنواع في العالم، والتصنيع الأميركي، وسياسة الصداقة، وصعود الهند وفيتنام والمكسيك كبديل، والتركيز على النقل البحري والطاقة، والصراع في تايوان.

أولاً: نهاية العولمة السريعة

منذ التسعينيات، تم بناء الاقتصاد العالمي على مفهوم بسيط:

“يجب أن يذهب التصنيع إلى أماكن أرخص وأكثر تكلفة”، لذلك انتقلت المصانع الغربية تدريجياً إلى الصين، وتحولت بكين إلى “مصنع عالمي”، لكن هذا النموذج خلق مستوى غير مسبوق من الاعتماد المتبادل.

ومع اشتداد المنافسة العالمية، وجدت القوى الكبرى أن النجاح الاقتصادي في حد ذاته أصبح مصدرا للخطر.

وتظهر الدراسات الحديثة حول إعادة بناء السلاسل الدولية بعد سلسلة من الأزمات بدءاً من وباء كورونا إلى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والحرب في أوكرانيا، أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تقليل اعتمادها على الصين، بل اكتفت بإعادة توزيع هذا الاعتماد على الدول الآسيوية.

وهنا مفارقة كبيرة: «لم تنحل العولمة، بل وصلت إلى السياسة».

ثانياً: الاحتواء بدلاً من القيادة العالمية

ينظر التحليل التقليدي إلى واشنطن وبكين باعتبارهما قوتين متنافستين على القيادة العالمية. ولكن الواقع ربما يكون أكثر دراماتيكية وإثارة للخوف: فالولايات المتحدة والصين لا تقودان العالم، بل تجرهما إلى نوع من الاعتماد المتبادل الذي لا يمكن لأي منهما أن ينفصل عنه من دون خسارة فادحة. الصين لديها:

* سيطرة كبيرة على معادن العالم.

* المركزية الصناعية في سلسلة التوريد.

* ابتكار كبير في التكنولوجيا الخضراء والإلكترونيات.

في حين أن الولايات المتحدة لديها:

* السيطرة على الدولار والنظام المالي العالمي.

* تحديث التكنولوجيا والبرامج المتقدمة.

* شبكات النفوذ المالي والعقوبات.

وتظهر دراسة حديثة عن موجز مخاطر السلع النادرة في العالم أن الصين تهيمن على المناطق المنخفضة المخاطر والعالية المخاطر في الصناعات العالمية، في حين تظل الولايات المتحدة وأوروبا عرضة لسلاسل التوريد الصناعية المتوسطة والعالية المخاطر.

أي أن الصراع لم يعد يدور حول الأسواق، بل يدور حول القبضة الخانقة على الاقتصاد العالمي.

ثالثاً: من مقارنة فوائد الشبكة

إليكم فكرة عميقة ربما لم تكن راسخة في الأدبيات الاقتصادية العربية بعد: لم تعد القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين تكمن في الإنتاج، بل في القدرة على التحول إلى جزء لا يقهر من الشبكة العالمية.

في الاقتصادات التقليدية، كانت البلدان تنمو من خلال التصنيع، والصادرات، وتراكم رأس المال.

وفي اقتصاد الإنترنت الجديد، تكمن القيمة الحقيقية في التحكم في الممرات، وامتلاك أهم المعدات، والتحكم في تكنولوجيا المركز، والتمركز داخل السلسلة العالمية.

ولهذا صعدت سنغافورة من خلال الموانئ والخدمات المالية، وكوريا الجنوبية من خلال الإلكترونيات، وتايوان من خلال الرقائق، والإمارات العربية المتحدة من خلال النقل والطيران والطاقة، أي أنها ميزة نسبية ثقافية تتحول تدريجياً إلى فرصة شبكية.

رابعا: تايوان هي القلب الصناعي للعالم

تكشف أزمة تايوان حقيقة النظام الاقتصادي الجديد. تنتج شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات أكثر من 60% من أشباه الموصلات في العالم، بالإضافة إلى 90% من الرقائق الأكثر تقدمًا في العالم. كما تجاوزت حصة الشركة 70% من سوق تصنيع الرقائق العالمية في بعض القطاعات الرئيسية بدءًا من 2025-2026.

وهذا يعني أن تايوان ليست مجرد جزيرة صراع، بل إنها جزء مهم من الاقتصاد العالمي، وأي تعطيل قد يؤدي إلى الإضرار بالذكاء الاصطناعي، وصناعة السيارات، وصناعة الكمبيوتر، والصناعة العسكرية، والاقتصاد العالمي بأكمله.

ولذلك فإن مشكلة تايوان لم تعد قضية جيوسياسية، بل قضية تتعلق ببقاء الهياكل الحداثية.

خامساً: لماذا تفشل جهود العزل؟

ورغم أنهم كثيراً ما يتحدثون عن التفتت، فإن الواقع هو أن ما يحدث حقاً هو إعادة توزيع للمخاطر، وليس نهاية العولمة.

وتظهر دراسة حديثة حول تأثيرات دعم الشركاء وسياسات “دولة زائد واحد” أن هذه السياسات لا تقلل من التكامل العالمي، بل تزيد من عدد الروابط داخل التجارة، وهو ما يؤدي إلى تكامل عالمي أكثر تعقيدا، أي أن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تحل محل الصين، لأن النظام الصناعي العالمي مبني حولها. وحتى المصانع الأمريكية التي انتقلت إلى دول مثل: الهند، والمكسيك، وفيتنام تظل مرتبطة بالمكونات والمواد الخام والمدخلات الصينية.

سادسا: مشاكل أميركا الحقيقية

ويفترض التحليل التقليدي أن المشكلة ترتبط بصعود الصين وحده، ولكن المشاكل الأعمق ربما تكمن في الولايات المتحدة ذاتها. لقد أنشأت أميركا النظام العالمي الليبرالي، لكنها لم تعد قادرة سياسياً واجتماعياً على تحمل تكاليفها الداخلية.

وتشير الأبحاث الحديثة حول الأسعار في الولايات المتحدة إلى أن الأسعار المرتفعة بدأت تتجاوز حتى الحدود الاقتصادية، أي أن تأثيراتها السلبية على الرفاهة والنمو تتجاوز الآن فوائدها السياسية والاقتصادية.

وهنا، ليس دونالد ترامب هو سبب الأزمة، لكنه يعكس ارتفاع الأمن، وتراجع الثقة في النمو الاقتصادي، والخوف من خسارة الشعب الأميركي، وتحول الأمن الاقتصادي إلى قضية انتخابية داخلية.

سابعا: إن الاقتصاد العالمي يدخل عصر الأمن الدولي

كل هذا يؤدي إلى فكرة مركزية مفادها أن العالم ينتقل من سوق عالمية إلى اقتصاد أمني عالمي، ولهذا السبب أصبحت الرقائق قضية أمن قومي، والموانئ قضية استقلال، والطاقة قضية جيوسياسية، وحتى الذكاء الاصطناعي أصبح قضية حرب.

وتظهر بيانات صناعة أشباه الموصلات أن هذا القطاع وحده يمكن أن يتجاوز تريليون دولار في عام 2026 مدفوعا بالابتكار الذكي، لكن هذا الابتكار يعتمد على حركة هشة ومستدامة.

ثامناً: أين مصر من هذا التحول؟

وبالنسبة لمصر، فإن الفترة الحالية لا تمثل أزمة عالمية، بل فرصة تاريخية، لأن النظام العالمي الجديد يتطلب مراكز إنتاج، ومراكز معالجة، وممرات للطاقة، وتخزين وإعادة تصدير، ومراكز بيانات وكابلات بحرية، وصناعات وسيطة مرتبطة بسلاسل القيمة.

وهذه هي التكلفة الحقيقية لمصر:

* موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

*قناة السويس كطريق وصول.

*سوقها الرئيسي.

* قدرتها على التحول إلى قطاع الصناعة والعمل.

ولم يعد السؤال: كيف تنافس مصر؟ في الواقع: كيف تصبح مصر مكانًا لا تستطيع الصين وأمريكا وأوروبا احتلاله وسط الاقتصاد الجديد؟

هذا هو العدد الحقيقي للتطورات في القرن الحادي والعشرين.

بشكل عام، العالم بعد العالم لا يعود إلى الحرب الباردة، لكنه يدخل في مرحلة صعبة للغاية، أهمها الترابط الاقتصادي الكبير، وعدم الثقة، والترابط الذي يتحول إلى أسلحة.

ولذلك فإن المفهوم المركزي في فهم المرحلة المقبلة ليس الهيمنة، بل القدرة على التحكم في حجم الاتصالات الدولية. ومن يسيطر على التكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والطاقة، والتمويل، والخدمات اللوجستية، هو الذي سيقرر شكل النظام العالمي التالي.

وهنا الحرب الحقيقية التي دامت إحدى وعشرين سنة.

اقرأها مرة أخرىورؤية القاهرة تنتصر… واشنطن تعتمد بالفعل على “الإخوان” في الإرهاب

التحول الرقمي.. مسألة أمن قومي

إن هرمز ليس هدفاً، بل نظام عالمي جديد.