ولكي نفهم ما يحدث اليوم، يتعين علينا أن ننطلق من قاعدة بسيطة: وهي أن القوة لا تقاس بالأسلحة التي تمتلكها الدول، بل بقدرتها على استخدام هذه الأسلحة دون تحريرها. وهذا هو مصدر ما يعرف تاريخيا بـ«الخوف من القوة»، الفكرة التي دفعت الرئيس الأميركي ترامب ومن سبقه من القادة الأميركيين إلى إدارة مشاكل العالم دون التمايل إلى حد الصراع.
لكن تصريحات ترامب الأخيرة، التي كشفت عن تعليق العمليات العسكرية في إيران، فتحت الباب على مصراعيه لإعادة قراءة الوضع. وعندما تأمر واشنطن بتأجيل التصعيد مؤقتا، وتوافق على مواصلة المفاوضات مع طهران، فإننا لا نواجه إدارة تقليدية للأزمة، بل نواجه تغييرا عميقا في عملية صنع القرار.
لقد اعتادت الولايات المتحدة التعامل مع الصراعات من موقع السيطرة والتهديد والطاعة، واستخدام الإكراه ولها مصالحها الخاصة، لكن في الوقت الحالي يبدو أنها تعيد النظر في حساباتها، بعد أن تحولت الضربات العسكرية من أداة إكراه إلى تهديد لا يحصى يمكن أن يفتح أبوابا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
وفي حالة إيران، لم تعد المعادلة كما كانت من قبل. إيران، رغم سنوات الحصار والعزلة، لم تنهار، بل أعادت بناء أسلحتها ببطء، ونجحت في وضع معادلات ردع جديدة. ومع تصاعد التوترات، أصبحت حدود قدرة أميركا على فرض “الأمن الكافي” على حلفائها واضحة، الأمر الذي خلق انعكاساً لنفوذ أميركا في المنطقة.
كلام ترامب، في هذا السياق، يظهر وعيا واضحا بأن أي نقاش مفتوح يمكن أن يتحول إلى «فوضى فوضوية» لا يمكن السيطرة على عواقبها. وهذا يذكرنا بما حدث في الماضي، عندما تحول الجيش من سلاح يعتمد عليه إلى عبء ثقيل.
والأخطر من ذلك أن هذا الانخفاض النسبي لا يقاس بالنتائج الميدانية فقط، بل بتأثيره النفسي على معادلة الردع. وعندما يتم اختبار القوة وعدم استخدامها، أو استخدامها بحذر شديد، فإن الرسالة التي تصل إلى المعارضة هي أن “الخوف من السلطة” وحده لم يعد كافياً لإجبار الإرادة.
من هنا يبدأ ظهور هذا التغيير، إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على خوض حروب إقليمية واسعة النطاق بالسهولة التي كانت عليها من قبل، ليس بسبب ضعف المؤسسة العسكرية، بل بسبب صعوبات البيئة وتضافر المصالح الدولية.
وبهذا المعنى، لا يمكن وصف ما يحدث بأنه هزيمة مباشرة للمؤسسة العسكرية، بل تغيير في قواعد اللعبة. ولم تهزم الولايات المتحدة في الحرب، لكنها وجدت نفسها أمام حقائق جديدة أجبرتها على تجنب الحرب في المقام الأول.
هل اختارت واشنطن التراجع أم أنها اضطرت لذلك؟
الجواب يكمن في المنطقة الرمادية بين الاثنين. القوى العظمى لا تعلن هزيمتها، لكنها تحسب من جديد عندما تدرك أن تكاليف الصراع تفوق فوائده. وهذا ما تعكسه لغة الخطاب الأميركي الحالي: هدوء مدروس، ورسائل مزدوجة، وميل واضح إلى إعطاء الأولوية لاستراتيجية التفاوض على استراتيجية الحرب.
وفي ظل هذا التغيير، يتغير مشهد العالم كله تدريجياً. لم يعد العالم أحادي القطب كما كان من قبل، لكنه يتجه نحو أبعاد أكثر تعقيدا، حيث تتحرك القوى الكبرى بثقة أكبر، وتعيد دول المنطقة تحديد أدوارها.
وفي هذا السياق تظهر أهمية الجزء المصري الذي حافظ على سياسة مستقرة وهادئة، مما يتيح مساحة أكبر للتحرك في أصعب مناطق العالم، ويصلح كعامل توحيد مهم في إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة.
إن ما نشهده اليوم ليس خسارة لأميركا، لكنه لحظة تنوير تاريخي، لحظة تحولت فيها واشنطن من مكان الدراما الكاملة إلى حزب يحسب خطواته بعناية ويتجنب الانخراط في حروب يمكن أن تتحول إلى وحل مفتوح.
بين “المهارة” و”القرار”، تتحدد أجزاء المرحلة القادمة… عندما لا تتراجع القوة فجأة، بل أحياناً تختار العودة إلى الوراء، عندما تدرك أن الاستمرار في المضي قدماً قد يكون بداية الغرق.
اقرأها مرة أخرىالحرس الثوري الإيراني يبدأ استخدام الموجة 77 من عملية “الوعد الحق”
إيران: لم نتفاوض مع أمريكا.. وشروط إنهاء الحرب
والغرض منه هو تنظيم أسواق النفط. رئيس البرلمان الإيراني يرفض المحادثات مع أمريكا
