
الطاقة النظيفة
وتسبب الصراع في إيران بمشاكل خطيرة في أسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد أن أغلقت طهران مضيق هرمز المهم، مما دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية وأعاد خريطة الطاقة العالمية، مما عزز الحاجة إلى توسيع مزيج الطاقة وتعزيز الطاقة المتجددة.
ويرى الباحثون أن الأزمة الحالية تمثل فرصة لإصلاح سياسات الطاقة العالمية، حيث أن التغيرات في مزيج الطاقة والطاقة النظيفة اقتصادية وعملية على حد سواء.
لكن هذا التغيير يواجه عدة تحديات. ورغم أن نتائج الحرب تظهر أهمية القطاع وضرورة ضخ المزيد من الأموال فيه، إلا أنها في الوقت نفسه تضع ضغوطا تضخمية ستدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، مما يعيق توسع الشركات العامة في المنطقة.
العواقب غير المقصودة
وفي هذا الصدد يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز إلى ما يلي:
- سيكون للحرب مع إيران العديد من العواقب “غير المقصودة” التي لن يعجبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
- ومن بين هذه الأهداف تسريع التحول العالمي إلى الطاقة المنخفضة الكربون.
- تسبب النزاع في ارتفاع أسعار النفط والغاز، وأغلقوا إيران تقريبًا نهر هرمز.
وبحسب التقرير، فقد أكدت إيران الآن أن السيطرة على المضيق “تسبب ارتباكا في الاقتصاد العالمي.. وحتى لو قررت طهران في مرحلة ما أنها مهتمة بإعادة فتح مضيق هرمز، فإنها سترغب دائما في الاحتفاظ بفرصة إغلاقه مرة أخرى كتهديد واضح لردع المعارضة”.
ولذلك “ثقة عالية زيت والغموض المصدرون عرضة للصدمات الاقتصادية والأحداث غير المتوقعة. لقد سلطت الأزمة الإيرانية الضوء على المشكلة وكيف يمكن للطاقة النظيفة أن تساعد في حل المشكلة، الأمر الذي دفع الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى التركيز على المشكلة.
من جانبه، قال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في اجتماع لمجلس الوزراء مع تصاعد الحرب: “أعتقد أنه يتعين علينا استغلال هذه الفرصة لتغيير إمدادات الطاقة بسرعة وعلى نطاق واسع”.
وفي يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، اتفق وزراء مالية دول جنوب شرق آسيا في اجتماع لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على “تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة” من أجل “تعزيز أمن الطاقة الإقليمي ومرونته”.
كما سأل وزير خارجية كينيا، موساليا مودافادي، البلدان الأفريقية في ذلك اليوم: “دعونا نفكر في المستقبل… إذا اعتمدت أفريقيا على الطاقة النظيفة، فهل ستتسبب المشكلة في الشرق الأوسط في نفس الدمار؟”
ماذا عن أوروبا؟
أما بالنسبة لأوروبا، فقد جاءت الأزمة في لحظة حرجة، حيث يواجه زعماء بروكسل ضغوطاً للدفاع عن أهداف الطاقة النظيفة.
وفي رسالة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين، حثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على بذل جهود جديدة “لتسريع التكامل بين الطاقة المنخفضة الكربون والطاقة المحلية” للحد من مخاطر صدمات أسعار النفط.
ووفقاً لتقرير نشرته إحدى الصحف البريطانية فإن الاضطرابات الحالية سوف تعزز حجته بأن إصلاح الطاقة من الممكن أن يساعد، بدلاً من أن يعيق، القدرة التنافسية الاقتصادية في أوروبا في الأمد البعيد (وهي الفكرة التي أكدها رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، حين قال إن حكومته سوف تستجيب للأزمة من خلال “بناء قطاع نظيف من الطاقة البريطانية بطرق غير مسبوقة”).
طريق
من جانبه، يؤكد خبير النفط والغاز، لوري هايتيان، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” ما يلي:
- إن مكافحة أزمة الطاقة الحالية تتطلب نهجا واضحا يأخذ في الاعتبار الظروف المختلفة للدول، وخاصة تلك التي تعتمد على واردات النفط والغاز.
- ويمثل إنتاج الكهرباء المشكلة الأولى، لأن بعض الدول تستخدم الفحم لأنه رخيص رغم تأثره بالبيئة، بينما تعتمد دول أخرى على الغاز لأنه أنظف ولكن بتكلفة أعلى، بالإضافة إلى اختيار الطاقة المتجددة.
- وستتجه البلدان القادرة على توفير الأموال الكافية نحو الطاقة النظيفة، بهدف الحد من مخاطر انقطاع الغاز في المستقبل.
- ويجب على البلدان التي تعتمد على الغاز الطبيعي للتدفئة أو التبريد أن تبحث عن البدائل، سواء كانت الكهرباء أو غيرها من الموارد، بنماذج مختلفة بين البلدان.
وأضاف أن فكرة التوسع في الطاقة المتجددة لا ترتبط فقط بقضايا سياسية مثل الصراع الإيراني، بل تعتمد أكثر على القدرات الاقتصادية والتكنولوجية لكل دولة، فضلا عن مسؤوليتها البيئية. وقد تعود بعض البلدان إلى استخدام الفحم كبديل أسرع وأرخص، في حين ستواصل بلدان أخرى تعزيز استثمارات الوقود الأحفوري لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي.
وفي مسألة الإدارة، إدارة الإدارة، إدارة الإدارة
ويختتم مقاله عما حدث في أوروبا خلال أزمة 2022، عندما تحركت لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة كفاءة الطاقة، والاستثمار بشكل أكبر في الطاقة المتجددة، التي تمثل الآن النسبة الأكبر من إنتاج الكهرباء، مع زيادة ملحوظة في استخدامها للتدفئة والتبريد. ويؤكد أن هذا النموذج يمكن أن يتكرر في جميع أنحاء العالم، حيث سترغب الدول – كل حسب قدرته – في تحسين اعتمادها على الطاقة المتجددة لتقليل مخاطر تقلبات الأسعار واضطراباتها في المستقبل.
رياح غير سارة
ورغم أن الأسهم البيضاء تفوقت على بقية السوق خلال الصراع على وجه الخصوص، وإن لم تكن فريدة من نوعها، بحسب تقرير فايننشال تايمز، فإن “المستثمرين في هذا القطاع ما زالوا يتذكرون ما حدث بعد الحرب في أوكرانيا، قطاع الرياح)، إذ أن معظم أموالهم تأتي من الأموال الأولية المقدمة من القروض، وأدت هذه الأزمة المالية إلى انخفاض حاد في الأسعار في عامي 2023 و2024”.
وأي ارتفاع آخر في أسعار الفائدة والتضخم من شأنه أن يضر بالطاقة النظيفة. ولا يزال نموها محدودا في العديد من الاقتصادات بسبب صعوبة الحصول على التراخيص وربطها بشبكة الكهرباء. ومع ذلك، هناك أسباب للتفاؤل.
آراء مختلفة
يظهر تقرير لرويترز أن صدمة الطاقة التي أحدثتها حرب إيران دفعت صناع السياسات في مختلف أنحاء العالم إلى إعادة التفكير في سبل خفض الاعتماد على النفط والغاز على المدى الطويل، مع مقترحات للتوسع في الطاقة النووية والمتجددة، وزيادة احتياطيات التكنولوجيا والإنتاج المحلي، وتنويع المصادر الأجنبية.
ويقول التقرير إن إغلاق إيران لمضيق هرمز المهم، في أعقاب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط، يمثل المرة الثالثة خلال هذا العقد التي تجبر فيها أزمة الطاقة العالمية الحكومات على إعادة النظر في مخاطر بلد يعتمد على التدفق الحر للنفط الوفير لتغذية محركه الاقتصادي.
ونقل التقرير عن جيفري بيات، المدير الإداري لشركة ماكلارتي أسوشيتس، وهي شركة استشارية أمريكية، قوله: “إن قضية أمن الطاقة لم تكن قط بالغة الأهمية كما هي الآن”.
وقال وانغ جين مدير نادي بكين للحوار الدولي وهو مركز أبحاث تابع لوزارة الخارجية لرويترز “الحكومات في جميع أنحاء العالم ستعيد تقييم إنتاجها واستراتيجياتها لإنتاج الطاقة ومن المحتمل أن تولي المزيد من الاهتمام للطاقة النووية والنظيفة”.
مزيج من الطاقة
وفي حوار مع موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، قال أستاذ الاقتصاد والطاقة الدكتور عند وفاة علي:
- وهناك «خطيئة التاريخ» التي تأتي من الإفراط في الاعتماد على الوقود الأحفوري، مقابل التراجع الواضح في خطط التحول إلى الطاقة المتجددة، ويرجع ذلك بالأساس إلى عودة بعض السياسات الدولية لدعم هذا الملف المهم.
- لقد دفعت الأحداث الأخيرة الطاقة المتجددة إلى صدارة الأجندة العالمية، مع دخول العالم “عصرا من زعزعة استقرار المعادلة الجيوسياسية”، وهو ما كان له تأثير كبير على الاقتصادات الوطنية.
- وتظهر التقلبات الكبيرة في سوق النفط والغاز، فضلاً عن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا، تكلفة الاعتماد على الطاقة التقليدية، التي يدفعها العالم اليوم.
ويؤكد أن التوسع في الطاقة المتجددة واعتماد مزيج الطاقة لم يعد خيارا طبيعيا، بل أصبح ضروريا لحماية أمن الطاقة وضمان استقرار الأوضاع، نظرا لتزايد المشاكل. ويؤكد أهمية الاستثمارات المباشرة والكبيرة في هذا القطاع، مشيرا إلى أن العالم يحتاج إلى نحو 4 تريليون دولار سنويا حتى عام 2030 لدعم هذا التغيير، وضرورة إنشاء نظام مالي يضمن توفير المنتجات اللازمة في هذه الصناعة.
ويشير إلى أن الطاقة المتجددة لم تعد رفاهية، بل تمثل وسيلة مستدامة لدعم النمو الاقتصادي، خاصة في ظل عدم وجود رؤية واضحة للمستقبل ونهضة العالم. ويختتم حديثه بإظهار أن المرحلة الحالية تسعى إلى إصلاح أفكار القانون الدولي، بما يعيد فكرة الطاقة المتجددة، وزيادة كفاءتها، والاعتماد على الاستخدام الكفء للموارد الطبيعية، والتخلي عن التدخل السياسي في ملف الطاقة وربطه بحروب الطاقة.
