في مثل هذا اليوم 17 مارس 2012، لم يمت رجل متدين، بل رحل صوت كان حاضراً زمن الاستقرار، وأفكاراً كانت تتحرك بهدوء وسط العواصف السياسية والعامة. لم يكن البابا شنودة الثالث مجرد أب، بل كان قصة معقدة لرجل جمع بين تقشف الراهب، وبصيرة الإنسان العقلاني، وقناعة القائد الذي يعرف كيف يختبر كلماته قبل أن ينطق بها.
ولد نذير جيد رافائيل عام 1923. فقد والدته في سن مبكرة، وهي لحظة مبكرة خلقت لديه عادة واضحة في التفكير وضبط النفس. لم يتحدث كثيرًا، لكنه كان متفهمًا. في شبابه، لم يكن منفصلاً عن الواقع كما يعتقد البعض، بل عاش التفاصيل. كتب الشعر، وعمل في الصحافة، ودرس التاريخ في جامعة فؤاد الأول، وهناك ترسخت معرفته بالعالم تحت تأثير خطابات مكرم عبيد، التي رسخت فيه فكرة أن بلاده لم تقتصر على الدين، بل بنيت على وحدة إنسانية عظيمة.
ولكن حدث تغيير كبير مع الإيمان الرهباني، ليس كالانسحاب من العالم، بل كإعادة تعريف العلاقة معه. وفي دير السريان، اختار العزلة في مغارة جبلية لسنوات طويلة، في تجربة روحية مؤلمة جعلت منه شخصاً يفكر بهدوء ويتخذ قراراته دون ضجيج. وكان هذا الجزء هو حجر الزاوية في شخصيته اللاحقة، فهو رجل لم يكن مندفعاً ولا مندفعاً، بل كان مفكراً.
وعندما أصبح بابا الفاتيكان عام 1971، لم يتخذ هذا المنصب كقيادة، بل كوظيفة. كما قام بتغيير دور الكنيسة إلى مكان للتعليم والثقافة والمكانة الاجتماعية. وكان شديد الاهتمام بالشباب، وقام بتوسيع مدارس الأحد، حتى أصبحت الكنيسة في عهده مكانًا لإعلام الناس، وليس مجرد مكان للعبادة. وفي الوقت نفسه، أخذ الكنيسة إلى العالم أجمع، وامتدت إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا، مما أثبت وجود مصر خارج الحدود.

وكانت علاقته بالحكومة من أصعب جوانب شخصيته. ولم يكن تابعاً، ولم يكن عدواً.
وخلال حرب أكتوبر 1973، ظهر دوره واضحاً في مساعدة الحكومة والجيش، انطلاقاً من إيمانه بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة. ولكن مع اتفاق كامب ديفيد اتخذوا موقفاً آخر. ولم يواجه الحكومة بشكل مباشر، لكنه رفض التسوية الشعبية، وأعلن قراره بعدم التوجه إلى القدس بعد الاستيلاء عليها، قائلا: “لن ندخل القدس إلا إذا كانت أيدينا في أيدي إخواننا المسلمين”.
ولم يكن موقفه من إسرائيل أيديولوجياً أو أيديولوجياً، بل كان مبنياً على رؤية أخلاقية عميقة. وأكد أن الصراع ليس صراع أديان، بل صراع حرية، واعتمد على روح الإنجيل الذي يقول: “إن الله لا يبارك الظلم…
وكان يوضح أيضًا أن فكرة “شعب الله المختار” لا تعني امتيازًا سياسيًا، بل مسؤولية روحية، بالمعنى الفكري الذي واجهه التفسير الديني للسياسة. وفي لقائه مع رونالد ريغان، ناقش هذه الفكرة بوضوح، رافضاً استخدام الدين لتبرير الحكم.
وانعكست هذه المسؤوليات على حضوره الإنساني، إذ استقبل بحب لا يصدق في لقاءاته مع الفلسطينيين، وفرح به كثيرون تقديرا لمواقفه، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لزعيم ديني يتجاوز تأثيره حدود طائفته. ووسط حكاياته التي تظهر عمق تفكيره، عندما سُئل عن إمكانية زيارة القدس بإذن الحكومة، أجاب بهدوء: “لا أريد إذناً من الشعب…”.
هذا الموقف جعله يختلف مع الرئيس أنور السادات، الأمر الذي انتهى بإقالته وطرده من دير وادي النطرون عام 1981. لكنه حتى حينها لم يتحول إلى منتقد صريح، بل عاد إلى الصمت الذي عرفه، وكأن الصعوبات بالنسبة له ليست لحظات صراع، بل لحظات تكرار. ثم عاد لاحقاً في عهد حسني مبارك هادئاً وقادراً على الإدارة.
كانت شخصيته عبارة عن مزيج رائع من البساطة والانضباط. إنهم دقيقون ومنظمون للغاية ويتمتعون بذاكرة جيدة ويتمتعون بروح الدعابة التي تظهر في حالات الطوارئ. كان عاشقاً للغة، شاعراً في حياته، مفكراً في عقله، خطيباً يعرف كيف يلخص النقطة الأساسية في جملة قصيرة.
عندما غادر، كان الحزن غير طبيعي. وقال فضيلة الشيخ أحمد الطيب إنه “رمز مخلص للوطن، وأثبت الوزير نبيل العربي أنه من الأشياء التي تسبب الاستقرار في المجتمع”. أما الأستاذ محمد حسنين هيكل، فرأى فيه “سياسيا يرتدي زي راهب”، فيما قال الشاعر فاروق جويدة إن مصر فقدت “نقانق لا تصدق” برحيله.
لكن أقرب تفسير للحقيقة لم يأت من النخبة، بل من عامة الناس، الذين قالوا ببساطة: “كان يحب مصر”.
وفي جنازته، خرج الملايين من الناس، في مظاهرة لم تكن مجرد وداع، بل شهادة حية بأن الرجل لم يكن في الكنيسة فقط، بل في ضمير الأمة كلها.
لم يكن البابا شنودة الثالث مجرد زعيم ديني، بل كان تجربة كاملة يمكن أن تكون فيها الكلمة مسؤولية، والإيمان عدلاً، وقد يكون الصمت في بعض الأحيان أكثر معنى من أي كلام.
