أخبار العالم

المخدرات الفكرية وتسويق الوهم في زمن الحروب – الأسبوع


لا تقتصر ساحات القتال الحديثة على الوحدات العسكرية. وهناك دائرة أخرى أكثر هدوءاً ولكنها أكثر خطورة في تأثيرها. إنها ساحة العقل، حيث تدور معركة متساوية حيث تستخدم الكلمات والصور والقصص السريعة كأسلحة غير فعالة مثل الصواريخ والقذائف. بسبب التطور السريع للتكنولوجيا، أصبح من السهل خلق حقائق محاكاة بقصص أو انتصارات أو هزائم لا يمكن أن توجد على الأرض.

أثناء الحروب والصراعات، تنتشر الصور ومقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة لا تصدق، ويقدم الكثير منها كدليل قاطع على ما يحدث في الحرب. صور لجنود أسرى، ومتفجرات كبيرة أو طائرات بدون طيار تضرب مواقع رئيسية، ومباني مدمرة يُزعم أنها ناجمة عن ضربات دقيقة. ويتلقى بعض الناس هذه الأمور كأخبار من الكتب والأخبار من مصادر موثوقة، فيسارعون إلى نشرها، كما يقومون بتحليل وقراءة ما يحدد نجاح الحزب أو سقوطه. لكن استخدام أدوات التحقق يكشف، خلال دقائق معدودة، أن هذه الصور ومقاطع الفيديو تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي أو معدلة رقمياً، ومصممة لتحقيق أهداف محددة، قبل أن تجد طريقها إلى ملايين الصور في دقائق معدودة.

هذه الظاهرة هي “المخدر الذكي” الذي لا يأتي على شكل حبوب أو مسحوق، بل أفكار ورسائل وصور يتم تقديمها بطريقة تخدر وعي المتلقي وتجبره على قبولها دون تقييم. يتلقى شخص ما مقالا أو صورة مثيرة، فيتفاعل معها فورا، ثم يعيد نشرها، مقتنعا بأنها تقول الحقيقة، في حين أنه لا يعلم أنه يشارك في أعمال احتيالية.

إن نشر المعلومات السياسية المضللة ليس ظاهرة جديدة. لقد رافق الحرب لعدة قرون، وكانت الصحف والإذاعة ومن ثم التلفزيون أدواتها الرئيسية. لكن ما تغير اليوم هو سرعة التوسع واتساع الفضاء. ومع شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي مستخدم أن يتحول إلى منشور شعبي، وينشر أخبارا، ويعلق عليها، وأحيانا يضيف إليها، بقصد أو بغير قصد، ولم تعد وسائل الإعلام مملوكة لمنظمات أو حكومات.

وفي هذه الحالة تتحول الحسابات الشخصية إلى منصات مجانية تخدم أطرافاً متعددة في الصراع. ينشر بعض المستخدمين بدافع الفضول أو التعاطف، والبعض الآخر بدافع الفضول أو لتشجيع المتابعين. وبين هؤلاء وهؤلاء، تنقل الشبكات المنظمة أولئك الذين يعرفون كيفية استخدام هذه المساحات المفتوحة لتوجيه أفكار الناس وخلق الانطباعات.

وبالنظر سريعاً إلى ما كتب على شبكات التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأولى من الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يمكننا أن نرى أمثلة واضحة. في 1 مارس 2026، انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع يظهر حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن وهي تحترق وتنقلب في البحر، مع تعليقات تؤكد أن الجيش الإيراني تمكن من إيقافها. وشارك آلاف المستخدمين الفيديو باعتباره قصة حقيقية، قبل أن يتم التأكيد رقميًا على أن الفيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي ولا علاقة له بأحداث حقيقية.

وفي اليوم نفسه، ظهرت صور لجنود أمريكيين زُعم أن القوات الإيرانية أسرتهم. وبدت الصور حقيقية، لكن تبين فيما بعد أنها تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي. في المقابل، نُشرت صور زعم ناشروها أنها لقيادات إيرانية قُتلت جراء التفجيرات، كما نشرت العديد من وسائل الإعلام مقطع فيديو يظهر أحد أشهر الأبراج في الخليج وهو يحترق نتيجة الهجوم الإيراني. وبعد التحقق تبين أن الفيديو مزيف تماما.

ولم يقتصر ذلك على الصور التي تم إنشاؤها، بل امتد أيضًا إلى إعادة استخدام القطع الأثرية التي لم تحدث. في 3 مارس/آذار 2026، نشرت العديد من وسائل الإعلام مشاهد دمار قيل إنها ناجمة عن انفجار قنبلة إيرانية في تل أبيب، في حين أكدت الأبحاث أن هذه الصور ناجمة بالفعل عن زلزال ضرب تركيا عام 2023. وبالتالي، يتحول حدث قديم إلى دليل جديد في حرب لم تحدث من قبل.

وتبين هذه الأمثلة أن الاحتيال التجاري أصبح جزءا من الترسانة العسكرية الحديثة. الكتاب الذي ينتشر بسرعة ويصل إلى ملايين المتابعين يمكن أن يؤثر على مشاعر الناس ويجبر الناس على اتخاذ موقف سياسي أو أيديولوجي. ومن الممكن أن تستخدم بعض الأطراف هذا الأسلوب لرفع معنويات أتباعها، أو لتشويه صورة الخصم، أو حتى لخلق تشويش في المعلومات يجعل من الصعب التمييز بين الحق والباطل.

غالبًا ما تعتمد هذه القصص الكاذبة على اللعب بمشاعر الناس. الخوف والغضب والفخر الوطني والانتقام هي مشاعر يمكن إثارةها بسهولة عن طريق صورة مزعجة أو مقطع فيديو عاطفي. فعندما تتقدم العاطفة على العقل، يصبح المتلقي قادرا على تصديق ما يراه، ولا يريد أن يثبت صحته.

تقوم بعض الحملات الإعلامية أيضًا بإنشاء شراكة افتراضية. وتتكرر نفس الرسالة في روايات كثيرة، ويبدو أن هذا هو الإجماع العام. وعندما يرى الإنسان أن كثيراً من الناس قد اتخذوا موقفاً معيناً، فإنه يتخذ هذا الموقف فحسب، حتى لو لم يتأكد لنفسه من مصدره.

يتم استخدام الإعلانات المزيفة لتحويل “التزييف العميق” إلى سلاح فتاك، حيث تقوم الصور المزيفة والضجيج ببناء قلاع رملية لتحقيق نجاح في السوق لم يتم العثور عليها مطلقًا. وهذا الأمل الكاذب يسبب اضطراباً نفسياً عنيفاً عند ملامسته للواقع، مما يهدم الانسجام ويقلل الثقة في الواقع. فالأشخاص الذين اعتادوا على تشويه الواقع يفقدون القدرة على الاجتماع بصدق، مما يجعل الجبهة الدولية المنتظرة ضعيفة في مواجهة التحديات الحقيقية.

لهذه الأسباب تقع على عاتق المتلقي مسؤولية كبيرة. سرعة نشر المعلومات لا تعني دقتها، وكثرة الصور والفيديوهات لا تعني أنها تظهر الحقيقة والواقع. اليوم، أصبحت القدرة على البحث والتفكير النقدي هي خط الدفاع الأول ضد هذا النوع من الحرب الخفية. الكلمة، مثل الصورة، يمكن أن تخلق الوعي أو تزيد الوهم والأمل الكاذب. لذلك يبقى البحث عن الحقيقة واتباع معايير الدقة واليقين في غاية الأهمية، حتى لا نجد أنفسنا أسرى المخدرات الفكرية التي تباع مجاناً على شبكة الإنترنت، فيما يدفع الناس ثمنها من خلال أمنها واستقرارها.