والآن وصلنا إلى الجزء الرابع والأخير عن الإمام الليث بن سعد (إمام الشعب المصري)، ونقول: سمع الخليفة العباسي المنصور بعلم الإمام… ولما وصل القدس دعاه إلى قصره. وكان المنصور يحب العلم والكتب. فنظر إلى الليث فأعجب به كثيرا حتى وكله واليا على مصر. إلا أن الليث اعتذر بحكمة، مفضلاً التفرغ للدراسة بعيداً عن المناصب الحكومية والسياسية، حتى أحبه المنصور كثيراً. كما أعطاه بسخاء وزعه الليث على المحتاجين قبل خروجه من القدس.
وعاد الإمام إلى مصر في صحبة عظيمة بعد أن مدح المنصور. وأضاف المنصور أنه نصح علماء العراق وغيرها بالذهاب إلى الفسطاط للاستفادة من علم القاضي المصري الشاب، الذي لم يجده أعلم منه في قوانين الشريعة، ولا أحد أحفظ للحديث أفضل منه، ولا أحد أعلم بعلم القدماء وحكمتهم منه.
وأرسل المنصور أيضًا إلى والي مصر وإلى رئيس القضاء ليسأل الليث بن سعد عن جميع شؤونهم. وهذا ما أثار غضب بعض علماء مصر، فتوجهوا إلى الخليفة المنصور، الذي أصدر مرسومًا وأعلن على الملأ أن الليث بن سعد كان أعلم عصره في القانون واللغات والشعر، وكان طالبًا كبيرًا للعدل وحرصًا بلا شك. ولهذا السبب عينه “رئيسًا لدول مصر وقائدًا لها، حتى لا يقضي في مصر إلا بمشورته، ويكون الوالي والقاضي تحت مشورته”.
وقد استغل الإمام هذه الثقة الكبيرة من الخليفة لصالح قومه. ولم يفرض رأيه على الوالي أو القاضي، ولو لم يوافقهما. أما إذا وجد أي ظلم لأحد في تصرفات الوالي أو قرار القاضي، كتب إلى الخليفة وأخذ قرار الليث.
وأكثر ما أغضب الإمام هو قبول الهدايا من الحكام، إذ كان يقول بصوت عالٍ في اجتماعاته: «إذا دخلت الهدية من الباب، خرجت العدالة من النافذة».
وفي أحد الأيام جاءه أحد الولاة المخلوعين يتهمه، فأجاب: “لقد نصحتك ولم تنصحت، ومصلحة الجمهور مهمة جداً، وكيف أتحمل ظلم الجمهور؟” …
السنوات الأخيرة من حياة الإمام (توفي سنة 175هـ عن عمر يناهز 83 عاماً) كانت تقضي في مجالس العلم ومساعدة المحتاجين، حيث كان يقسم يومه بين أربعة لقاءات:
(1) مجلس المحافظ والقاضي والموظفين الذين يطلبون منه النصيحة أو يسمعون رأيه في سلوكهم وقراراتهم في العمل.
(2) جمعية أهل الحديث، وهي منظمة للعلماء وطلبة العلم الذين يدرسون معًا أصول الحديث النبوي وصحته ومعانيه وروحه ومضامينه. وفي اللقاء، قبل أن يبدأ الإمام بالقول: “دعوا أصحاب الحوانيت جانباً، فإن قلوبهم في أسواقهم، أي يذهبون بعد الصلاة”.
(3) مجلس الشعب الذي أسماه “مجلس القضايا”، وهو منظمة تصدر الفتاوى، حيث يسأله الناس عن الحياة التي واجهها، فيجيبهم، مستندا إلى القرآن الكريم في فتاويه، فإن لم يجدها، فمن سنة النبي الكريم، أي إذا لم يلتزم بعهوده، إذا لم يجتهد قط. والأفكار واستخدام الاستعارات والعادات والتقاليد ما دامت لا تتعارض مع الكتب المقدسة.
(٤) وكان سكناه في بيته، وكان مخصصًا لحاجات الناس.
رحم الله الإمام الليث بن سعد إمام أهل مصر.
