في تاريخ الأمم يقال إن الكلام مجنون لأنه يقول الحق قبل أوانه. صوت يصرخ في البرية والجميع منشغلون باحتفالات خيالية. عندما تقع المأساة، يعود الناس إلى طرقهم القديمة ويكتشفون أن ذلك لم يكن جنونًا… بل تحذيرًا مبكرًا.
هكذا يُسمع اليوم كلام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
الرجل الذي احتقره الكثيرون واتهموه بالنفاق، لكنه ترك خطابا مليئا بالتحذيرات بدا وقتها مبالغة سياسية، لكنه يبدو اليوم قريبا من قراءة مخيفة لمستقبل المنطقة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن:
هل كان القذافي سعيدا…
ولم يكن القذافي يتحدث فقط عن الحروب النظامية. ورأى أن التهديد الأكبر الذي ينتظر العرب لن يأتي دائما على شكل جيوش تعبر الحدود، بل ستولد في نفس المجموعات. وقال إن الولايات المتحدة لن تأتي دائما بالدبابات، لكنها ستأتي بسبب الصراعات والثقافة والإعلام والشرب، ليجد العرب أنفسهم بعد سنوات يعيشون حياة تختلف عنهم.
ورأى أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة هو أن يصبح عربي عدواً لعربي آخر، ولن تحتاج إسرائيل إلى حرب كبرى مع العرب إذا نجحت في انشغال العاصمة العربية بصراعها الداخلي.
وقال أيضًا إن رؤوس العرب لن تحرق دائمًا بطائرات العدو، بل بأيدي شعبهم، وأن الأبواب ستُكسر من الداخل قبل أن يتمكن الضيف من الدخول.
ووصفه في حديثه لوسائل الإعلام بأنه سلاح أخطر من الصواريخ. ورأى أن الإعلام قادر على قتل العقل قبل الجسد، وأن العالم سيتحول يوما ما إلى تلفزيون حيث تدور الحروب على الشاشات وليس في الساحة.
لكن كان يُنظر إلى النفط على أنه نعمة قاتلة. وقال إن النفط العربي لا يمكن أن يبقى في أيدي العرب، وكل قطرة منه يمكن أن تتحول إلى دماء تسيل في أماكن أخرى في المنطقة.
وحتى فيما يتعلق بالتحالفات السياسية، فقد وجه تحذيراً مذهلاً عندما قال إنه سيأتي اليوم الذي تظهر فيه العلاقات مع إسرائيل علناً في العواصم العربية الأخرى. وبدا كلامه حينها مستحيلا، لكن الزمن أثبت أن السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف المستحيل.
ولم يكن القذافي يتحدث عن السياسة فحسب، بل عن مشكلة عميقة تؤثر على الثقافة العربية: شباب نشأ في خوف من الأشياء الصغيرة، وتحول الدين إلى تجارة في أيدي رجال الأعمال الثوريين، ورسائل تعمل على إصلاح العقل.
كان صوته مثل صرخة الطير الذي يرى العاصفة قبل أن يراها الآخرون.
لكن الأمة نامت قليلاً.
واليوم، وبعد سنوات من الحرب والانقسام الذي عصف بالعالم العربي، تبدو تلك الصرخات القديمة وكأنها رسائل من الماضي.. رسائل لم تجد من يستمع إليها.
وقد قال القذافي نفسه إن موته لن يكون نهاية الإنسان، بل بسبب الصراعات الطويلة التي حذر منها. ربما كان في تلك الكلمات بعض المبالغة.. وربما كان فيها أيضاً قدر من الحقيقة.
النهاية
المسألة ليست ما إذا كان معمر القذافي مجنونا أم ذكيا.
والقضية أن كثيراً من التحذيرات التي أطلقها اليوم أصبحت الواقع الذي نعيشه: انقسامات عربية، وحروب داخلية، وإعلام مولد للمعلومات، وسياسة تحركها المصالح أكثر من المبادئ.
لا بد أن القذافي كان رجلاً صاخباً في لغته وأسلوبه.
لكن التاريخ علمنا أن بعض الصرخات التي تبدو مجنونة وقتها… تتحول فيما بعد إلى إنذار لم تسمعه الأمة إلا بعد فوات الأوان.
ربما لهذا السبب يعود السؤال مرة أخرى:
هل كان القذافي مجرد رجل يصرخ من الوجود؟
أم كان مثل البطريق الذي يصرخ قبل العاصفة؟
بوتين: الحرب مع إيران خلقت أزمة طاقة ونحن مستعدون للعمل مع المشترين الأوروبيين
رسالة اختيار خامنئي الجديد إلى «مقامري» واشنطن وتل أبيب
بعد زلزال هرمز.. برميل النفط فوق 102 دولار والتوقعات مستمرة في الارتفاع
