ولم تكن رؤية الكهنة المحيطين بالرئيس الأمريكي في المكتب البيضاوي أمرًا شائعًا في تاريخ الولايات المتحدة. دعا دونالد ترامب، الخميس 5 مارس/آذار، مجموعة من القساوسة الإنجيليين، بينهم القس توم مولينز، وروبرت جيفريز، وصامويل رودريغيز، بالإضافة إلى المستشارة الدينية للرئيس باولا وايت، للصلاة من أجله ومن أجل الجنود الأميركيين الذين يشاركون في الحرب ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط، في شكل جديد يظهر “المعتقدات الدينية والدينية” المستمدة من وجهات النظر الدينية للبيت الأبيض. يضطر الدين إلى السيطرة على السياسة ويصبح تعبيرا عن اتخاذ القرار. بدلا من القوانين والمؤسسات الديمقراطية.
وأفاد صحفيون أميركيون أن ترامب جلس على طاولته محاطا بالكهنة، فيما ركزت الصلوات على طلب الحكمة والقوة والحماية الإلهية للرئيس، فضلا عن حماية القوات الأميركية في الشرق الأوسط. وقاد القس توم مولينز الصلاة، ووضع يده على كتف ترامب، بينما بارك روبرت جيفريز وصامويل رودريغيز المجهود الحربي ضد إيران المسمى “الغضب الملحمي”، وهو اسم له أيضًا دلالات دينية.
وتظهر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أن هدفها الحقيقي ليس منع إيران من امتلاك الأسلحة النووية، بل تحقيق مصالحها الاستراتيجية والإيديولوجية تحت ستار الأمن الإقليمي. إن التظاهر بالبرنامج النووي الإيراني يشبه أكاذيب الماضي، كما فعل كولن باول الذي شغل منصب قائد الجيش الأميركي، ورئيس الأركان، ثم وزير الخارجية، عندما أعطى معلومات كاذبة عن وجود أسلحة عراقية في العراق، وحاول إعطاء الحرب في العراق شرعية زائفة للحصول على الدعم الدولي. وقد ثبت لاحقاً أن هذا غير صحيح أمام الأمم المتحدة.
كما أعلن الرئيس دونالد ترامب، بعد حرب 12 يوما في يونيو/حزيران الماضي ضد إيران وإسرائيل، أن الضربات الجوية الأمريكية أنهت البرنامج النووي الإيراني، مؤكدا أن إيران لن تتمكن من استعادة برنامجها النووي لسنوات عديدة، رغم أن هذا الإعلان يقدم الأحداث العسكرية والسياسية على أنها نصر حقيقي، ويخفي نمو الاقتصاد والأساليب العسكرية.
وهو ليس دفاعاً عن الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بالقوة أو السلاح، والخطاب الذي يتم ترويجه حول دعم المعارضة أو نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط كان دائماً محاولة لتبرير الحرب. وقد استخدمت أميركا ذلك مراراً وتكراراً في العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها، حيث انهارت الدول وانهارت مؤسساتها، ولم يتحقق «حلم الديمقراطية» الذي روجت له منذ سنوات، إلا قصة إعلامية لتفسير المنطق والاقتصاد.
وصورة أخرى تكمل الصورة يكشفها اعتراف رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي يخطط للعودة إلى طهران كبديل للنظام القائم منذ عام 1979، حيث قال في مقابلة مع صحافيين فاضحين وشابين روسيين زعما أنهما مستشارين ألمانيين: «هذه حملة صليبية، ووعدت بأني سأهتم بالدول الإسلامية في أوروبا، وسيكون أفضل شخص يملأ الفراغ لو كانت الحكومة التي كانت في طهران». أطيح “.
في المقابل، يظهر وزير الحرب الأميركي بيت هيغست بوضوح ما يحب أن يفعله، إذ يخلق حربا نفسية في محاولة لحماية إسرائيل، واستعداده لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل مكانه. كما قال، في تصريحات سابقة غطى جسده باللوحات والرسومات التي تظهر تطرفه، إن الأعوام 1917، و1948، و1967، و2017، هي “معجزات إلهية” تمثل أحداث وعد بلفور، والنكبة، والتراجع، واعتراف ترامب بأنها “معجزات” لإسرائيل، في انتظار “معجزات إسرائيل”. هدم المسجد الأقصى وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.
سلوك السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، ليس بعيداً عن الفهم الكتابي للحروب ضد العرب والمسلمين، إذ كشف في تصريحه الأخير أن لإسرائيل الحق في التوسع والسيطرة على الشرق الأوسط. ويعتبر هوكابي أحد القوميين المسيحيين الذين يمثلون القوة الأساسية في الإدارة الأمريكية الحالية، ويؤمن بآراء الكتاب المقدس المتطرفة التي تريد دعم “إسرائيل الكبرى”، والتي روجت لها الصهيونية العالمية باستخدام أدوات الموساد ووسائل الإعلام الأمريكية في اتخاذ القرارات.
ويشكل القوميون المسيحيون مجموعة ضغط كبيرة تعتمد على العقيدة الدينية لدعم إسرائيل دون قيد أو شرط، وهو ما يعد انعكاسا مباشرا لسياسات واشنطن في الشرق الأوسط. وهم مسيحيون إنجيليون محافظون، ويؤمنون بالدعم الكامل لإنشاء دولة إسرائيل الحديثة كجزء من الوعود الإلهية القائمة على تفسيرات مشوهة للكتاب المقدس. ويعتقدون أن الله أعطى أرض الموعد لبني إسرائيل، بما في ذلك الضفة الغربية، التي يعتبرونها “يهودا والسامرة”، وأن عودة اليهود إلى أرضهم تمثل بداية نهاية العالم، وعودة المسيح الثاني ليخوض حربًا عظيمة، وبداية حكم ألف سنة، أو “جنة الألف سنة”.
ويمتد دور هؤلاء المتطرفين إلى ما هو أبعد من المسار الروحي للشبكات ومنظمات الضغط في هيئات صنع القرار الأمريكية. وأهم هذه المنظمات هي منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” (CUFI)، التي يقودها القس جون هاجي. فهي تجمع أموالاً كثيرة لدعم إسرائيل، وتريد تقويض مبدأ حل الدولتين حتى لا يكون للفلسطينيين دولة مستقلة. وهناك أيضًا منظمة أصدقاء صهيون التي يرأسها مايك إيفانز، والتي تنظم آلاف الرحلات للقساوسة إلى إسرائيل لإظهار دعمهم السياسي والاقتصادي.
وأسماء مشهورة تؤمن بهذه الآراء الصهيونية، ومن بينهم نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو. ويشكل الإنجيليون البيض حوالي ثلث ناخبي الحزب الجمهوري، مما يجعلهم مجموعة غير مصوتة ولا يمكن لأي جمهوري أن يتجاهلها. ورغم أن الشباب يدرك خطورة هذه الأفكار المتطرفة، إلا أن من هم في السلطة في الولايات المتحدة ما زالوا يؤمنون بها، ويقودون العالم لخدمة إسرائيل، مستخدمين كل ما يملكه الشعب الأمريكي من قوة وأموال وأسلحة لدعم حروب إسرائيل التوسعية في الشرق الأوسط.
اقرأها مرة أخرىترامب يعين مجتبى خامنئي زعيما جديدا لإيران: “لن يستمر طويلا”
ترامب: ارتفاع أسعار النفط مؤقت وسيتراجع بعد انتهاء التهديد الإيراني
وزير الخارجية الإيراني: لسنا مستعدين لمناقشة إنهاء الحرب الآن
