إن الحادث المأساوي الذي وقع أمام المبنى التعليمي الكبير بمصر الجديدة لا يزال مجهولا في أيامنا هذه، لكنه يفتح جرحا كبيرا في ضمير الشعب المصري، ويطرح سؤالا لا يمكن إيقافه: هل تركت المؤسسات التعليمية البخور والنور الأكاديمي لتصبح جدرانا عمياء تمنح الشهادات الورقية بينما يفشل الناس في أول اختبار بشري؟
طعن صبي صديقه في الجامعة بسبب “التنافس على الحب” ليس مجرد جريمة، بل هو أحد أعراض مرض اجتماعي عضال أصاب النظام التعليمي من الحضانة إلى الجامعة. قلة “التعليم” من وزارة التربية والتعليم. الجزء الأول من اسم الوزارة (التربية) والثاني، الجزء العلوي سقط من وزارة التعليم العالي قبل عقود قليلة، ويتم التركيز أكثر على «ملء» وجمع الدرجات لاجتياز بوابات التكامل. تجاهل الذكاء العاطفي جعل الطالب في مدارسنا غير قادر على تعلم القيادة بشكل صحيح. كيف يشعرون، كيف يتقبلون الرفض، أو كيف يتفاعلون مع الغيرة وخيبة الأمل. ثقافة “الغطرسة” تعزز البنية التنافسية للرياضة. يقوم بتربية طفل يرى شريكه “خصمًا” يجب سحقه، بدلًا من مرافقته في رحلة التعلم.
التعليم الجامعي: شهادة الجهل. من المفترض أن تكون الجامعة مرحلة نضج فكري، لكن الواقع أن الطالب يصل إلى الجامعة “مرهقاً نفسياً” وليس له أي قيمة حقيقية. ومع تراجع الأنشطة الطلابية، أدى قلة المسرح والفنون والندوات الفكرية إلى انعدام الروحانية. هذا الفراغ لم يملأه إلا ثقافة «العنف» من الألعاب المنحرفة ووسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك إبعاد المدرسة الجامعية عن الأخلاق الحميدة. وعندما تصبح الجامعة مجرد مكان للدراسة والامتحانات، فإنها تفقد دورها “كمجتمع العوام” الذي يعلم الشباب ثقافة التنوع والاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة، وقدسية الجسد والحياة.
إن انهيار النموذج هو مظهر من مظاهر ثقافة “القمع” حيث لا يمكن فصل فشل التعليم عن البيئة المحيطة. وعندما يتعلم الطالب (بوعي) قيم التسامح، يرى الواقع والدراما أن “البطل” هو من يأخذ حريته بين يديه، وأن العنف وسيلة لإظهار الرجولة والسيطرة. وبالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أخصائي نفسي واجتماعي في العديد من المدارس والجامعات. ودور الخبير هو دور “إشرافي”، أما اليوم فنحن بحاجة إلى جيش من الخبراء لترميم الأرواح المحطمة قبل أن تتحول إلى وحوش بشرية. الفشل هو بناء الإنسان، وليس آلة.
إن نجاح أي تعليم في العالم لا يقاس بعدد المهندسين والأطباء الذين يتخرجون، بل بقدرة هؤلاء الأشخاص على التحكم في أفكارهم والعيش بسلام في المجتمع. إن تخريج طالب يحفظ قانون الجاذبية ولكنه لا يتردد في إنهاء حياة شخص آخر هو قمة الفشل الأكاديمي. عندما ينصب شاب كميناً لصديق ويطعنه في قلبه، فهذا يعني أن كنزه الثمين مات قبل وفاته بسنوات عديدة، وأن المدرسة والجامعة والأسرة جميعها فشلت في تعليم أهمية نقاء الحياة.
هل هناك فرصة أو مخرج؟ الحل لهذا الفشل ليس فقط في زيادة الأمن في الجامعات، بل في إصلاح التعليم: بما في ذلك دراسة الأخلاق والسلوك الإنساني كركيزة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها. بدء خدمة استشارات الصحة العقلية: وإتاحتها بشكل خاص للطلاب الذين يعانون من مشاكل نفسية أو عائلية. ولابد من إحياء القوة الناعمة من خلال إعادة الفن والرياضة والصراع ليكون قناة حقيقية لقوة الشباب بدلاً من العزلة الفكرية التي تسبب الانفجارات.
القضية التي هزت المنطقة التي وقعت فيها هي “الإنذار” الأخير. إذا لم يستعيد التعليم روحه الأكاديمية، فسوف نستمر في بناء مباني الجامعات الشاهقة، وتدمير الإنسان في الداخل.
اقرأها مرة أخرىمحافظ الشرقية يزور ضحايا حادث “طالبة بلبيس” ويأمر بتقديم الرعاية الطبية لهم.
