أخبار العالم

الطرق الصوفية.. أول طريق العلم في صحراوات مصر وواحاتها – الأسبوع


الطريقة الصوفية هي الطريق الأول للمعرفة في صحاري مصر ومناطقها

بعد مئات السنين من الجهل التام الذي غزا صحاري وجبال مصر، جاءت الطرق أو الدعوات الدينية في منتصف القرن التاسع عشر، لتضيء الطريق لأهل تلك المناطق، وتخرجهم من ظلمات الجهل الديني والعالم، وتضعهم على أول طريق العلم والمعرفة.

صراع المعرفة.. السنوسية والمدينة المنورة

وكان لانتشار قوانين “السنوسي” و”المدني” الأثر الكبير في كسر طوق الجهل، ورغم وجود قوانين أخرى مثل “العروسي” إلا أن تأثيرها ظل محدودا. ويعود أصل الدعوة السنوسي إلى مؤسسها محمد بن علي السنوسي (ولد في الجزائر عام 1787م وتوفي عام 1859م)، إليه المعجزات التي ساعدت على انتشار أتباعه الذين كان عددهم حوالي مليوني شخص.

اتخذ السنوسي واحة “الجغبوب” في ليبيا عاصمة لهم، و”واحة سيوة” حصنا لهم وعاصمة لهم في مصر، ومنهم انتشرت تعاليم الإسلام من ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​إلى السودان والوادي وغرب أفريقيا، وكانوا قبلة العلم والتعلم الإسلامي. وفي آخر أيامه، جاء السنوسي الكبير إلى القاهرة وعاش بالقرب من أهرامات الجيزة حتى وفاته عام 1865.

أما “الطريقة المدنية” التي تتبع تعاليم الإسلام أيضًا، فتعود جذورها إلى تعليم شيخ العرب “الدرقاوي”، وتنتقل منه إلى الشيخ محمد الظافر المدني (من قبيلة الدوافر بالمدينة المنورة)، الذي قدم إلى سيوة سنة 1258هـ (1842م) قبل تدريس السنوسيفال، وقد مثل عند خزان الشيخ عمر مسلم، بمساعدة ثمانية من مشايخ وكان هدف الطريقة المدنية هو نشر مبادئ الإسلام بين جميع الناس في الدولة العثمانية، ونشرت تعاليم السنوسي والمساجد على يد زعماء الطوائف، على الرغم من أن المناطق التي تأثرت بدعوة المدني لم تتجاوز واحة سيوة وكان لها تأثير قوي في جميع مناطق مصر من الصحراء والساحل.

التغيير الجنائي والاجتماعي

وكان القضاة في سيوة والواحات والصحراء وشمال أفريقيا يعتبرون من علماء الإسلام، الذين يحكمون بالشريعة، وتزايد نفوذهم مع انتشار المذهب السنوسي، الذي كان رجاله يعينون القضاة.

وظهرت نتائج هذا التأثير في بداية القرن العشرين، عندما تحول السكان الذين يعيشون في سيوة من شعب جامح إلى شعب مسالم رأوا ما تقدمه العقيدة الإسلامية، بعد الحروب الدموية بين السكان الذين يعيشون في الشرق والغرب والتي استمرت لعدة قرون.

وشجع السنوسي التزاوج كوسيلة للمصالحة، واتفقت المجموعتان على الذهاب إلى شيوخ “الجغبوب” لتسوية الخلافات بدلا من السلاح. وقد أدركت السلطات في القاهرة هذا التأثير. وفي عام 1893م، وبسبب الفوضى المستمرة في سيوة وعدم دفع الضرائب لمدة ثلاث سنوات، قررت سلطات القاهرة إرسال حاكم البحيرة “مصطفى ماهر بك” برفقة 50 جنديًا، وكان معظم أهل سيوة يظهرون الولاء، باستثناء جزء من الأوروبيين. ورفضوا، بقيادة أحد مشايخهم، الشيخ حسون منصور، تحصيل الضرائب، وأغلق الشيخ حسون منصور على نفسه في منزله الشبيه بالقصر المبني على صخرة. تعرض للضرب على يد مصطفى ماهر بك. إلا أنه فشل في هدم منزله، فاستغاث بالسنوسي في الجغبوب. وما أن أمر النائب السنوسي حسونة بالاستسلام، حتى أجاب الوادي هو وأتباعه، وعفا عنهم جميعًا.

ومع تعاقب الاستعمار (الفرنسي، والإيطالي، والتركي)، تراجع نفوذ القضاة السنوسيين، وحلت محلهم “المحاكم القضائية” القائمة على العادات والتقاليد المنتشرة بين الشعب والشعب نفسه.

وفي عام 1921م، عينت الحكومة المصرية واعظًا في سيوة لنشر الأخلاق الحميدة، ثم قامت ببناء “المسجد الكبير” عام 1932م بتكلفة 4000 جنيه، ليكون جسرًا يربط بين أهل الشرق والغرب بالصلاة معًا في مسجد واحد.

ولم تكن شريعة “العوام” بعيدة عن معاناة أهل سيوة بسبب الصراع العنيف بين أهل الشرق والغرب، والذي ظن الكثيرون أنه لن ينتهي أبدًا. إلا أن الشيخ محمد الظافر المدني، مؤسس الطريقة في سيوة، استطاع أن يجد الصلح عندما اختار جبل “الدكرور” ليأكل معه، وطلب من كل منهما أن يأتي بخبز وجرة ماء، فصنع “فتات خبزهم”. بعد ذلك أكل الناس وتذكّروا، فقال لهم الشيخ: “هل يجوز؟ هل هذا خلاف؟ ورأى أنهم كانوا يأكلون ويصلون ويجمعون الحضرة، فصافحهم وصالحهم، وأصبح ذلك عادة سنوية في نفس المكان لتحقيق نفس الهدف، وهو العبادة والصلح والتسامح”.

التقاليد والصراعات التاريخية

ويحتفل أتباع الطريقة المدنية بيوم “الهول” في 25 جمادى الأولى من كل عام، ذكرى وفاة مؤسسها، حيث يجتمعون في مجموعات من الذكر والأعياد الجماعية، في مختلف الأماكن الدينية.

السنوسية هي الإنكار

وعندما احتل الإيطاليون ليبيا عام 1911، رفض السنوسي المهمة، وظلت علاقتهم مع بريطانيا جيدة حتى أعلنت الحرب على الدولة العثمانية، فتنحوا. وفي عام 1916، احتل جيشهم بقيادة أحمد الشريف سفوح مصر، لكنهم غادروها في أوائل عام 1917 بعد انقلاب على الحكومة البريطانية. وعندما تصاعدت الحرب بين عمر المختار والإيطاليين، هرب السنوسي إلى مصر بحثًا عن الأمان.

وأنشأ السنوسي زاويتين، الأولى في مدينة القصر، والثانية في بلدة منديشة، لنشر طريقتهم وأفكارهم الدينية. وتتلمذ عليهم أربعة من وجهاء الواحات البحرية، وهم الشيخ عبد العظيم خليل، والشيخ مرسي إبراهيم من بلدة منديشة، والشيخ محمد فالح، والشيخ سيد إدريس من بلدة القصر. واستمرت دراستهم سبع سنوات من عام 1932 إلى عام 1939 في واحة الجغبوب بليبيا على أيدي المشايخ والعلماء. من هنا.

وبعد حصوله على العلم في العلوم الدينية والدنيوية، استقر الشيخ مرسي إبراهيم في ليبيا وعُين قاضيا في أحد محاكمها، فيما عاد الشيخ عبد العظيم خليل والشيخ محمد فالح والشيخ سيد إدريس إلى الواحة، وكان لهم دور كبير في نشر علمهم إلى جميع أهل الواحة.

جميع المساجد التي بناها السنوسي في كل مكان تسمى زوايا حتى يومنا هذا. وبسبب حب ومباركة السنوسي ومؤسسها، أطلق العديد من الناس في المنطقة اسم السنوسي على العديد من أسماء أبنائهم.