منذ آلاف السنين في التاريخ الحديث ومعاناة البشرية، لم تكن هناك مهمة في الحياة أصعب من تلك التي يضطر فيها القلم إلى البحث عن رائحة الدم الممزوج بمداد الكتب.
وكأن زمن هذا الشرق الحزين يدور في حلقة مفرغة، دائرة تم رسم قوسها الأول في مدرسة “بحر البقر” في مصر، وآخرها سجل في مدرسة “شجرة طيبة” في إيران.
إنها قصة أخرى، كتبت فصولها بدموع النساء، وتحكي عن أنقاض الطبقات التي تحولت، دون ضمير العالم أجمع، إلى مقبرة للأحلام الأبدية والمجرمين القتلة.
المسافة بين قرية بحر البقر، بين الحسينية بمحافظة الشرقية، ومدينة ميناب بمحافظة هرمزكان جنوبي إيران، ليست آلاف الأماكن فحسب، بل هي جسر من معاناة الناس المستمرة عبر الزمن. وفي الحالتين، تحولت المدرسة التي كان من المفترض أن تكون مكاناً آمناً وحاضنة للمستقبل، إلى مؤامرة واسعة النطاق.
إن الجيش الصهيوني الذي لا ثقافة له ولا كرامة، ولا يفرق بين مبنى عسكري وأطفال ذوي أصابع طباشيرية، قتل الأبرياء. جريمته الوحيدة أنه ذهب في الصباح ليتعلم نطق كلمة “الحياة”.
في صباح يوم 8 أبريل 1970، كانت شمس الربيع تداعب وجوه أطفال بحر البقر.
كانوا يحملون أقلامهم القصيرة وحاوياتهم، ويكتبون رسائل خربشات سرعان ما ابتلعتها نيران طائرات الفانتوم من طراز F-4. لم تكن تلك القنابل تستهدف مبنى إسمنتي من طابق واحد، لكنها كانت تمزق أجساد الشباب، وتحول الطفولة إلى أشلاء وبحيرة من الدماء. المريلة المدرسية التي نسجتها المرأة ليلاً عادت إليها بعد الظهر مبللة بالتراب والدم. إن التبرير المنظم للإرهابي الصهيوني هو ادعاءات راعيه المتنمر الفارغة حول الهدف. العسكرة تبرير بارد لا يطفئ النار في قلب الأم، أو يعيد طفلاً إلى حضن أبيه، أو يداوي جرحاً، ونار الانتقام لا تبرد يوماً في القلوب.
وكأن التاريخ يرفض أن يكرر مصيره بأشياء جديدة. في 28 فبراير 2026، صدم العالم بمأساة مدرسة “شجرة طيبة” للبنات في إيران. أثناء تغيير الفصول، عندما تعالت ضحكات الطلاب الأبرياء وانضمت أيديهم الصغيرة، انفتحت السماء من الدمار الذي أودى بحياة مائة وخمسة وستين زهرة في جيل الندى والجريمة التي تلت ذلك، حدث ينزف قلوب وأجساد الفتيات الجديدة الخارجة من تحت حطام الشر المختلط. وتناثرت في الغبار والألم الحقائب الصغيرة والأشرطة الملونة والدفاتر المدرسية التي لن يتم إصلاحها أبدا، كما لم يكن من الممكن إصلاح دفاتر أطفال بحر البقر منذ سنوات طويلة.
خرج جيش الإرهابيين الصهيوني، المحمي بفتية إرهابيين صغار، ليتحدث عن اقتراب الجيش، متجاهلاً البكاء المستمر تحت القمامة، ومئات الرجال يحفرون في التراب بمخالبهم الدموية بحثاً عن خصلة شعر أو حذاء صغير.
وفي بحر الأبقار، كانت الوثائق غارقة في دماء أطفال فقراء كانوا يحلمون بغدٍ أكثر إشراقاً.
في «السعر الجيد»، اختفت أحلام الفتيات اللاتي رسمن مستقبلهن بألوان سعيدة. الثكل لا يعرف عرقاً ولا ديناً ولا طائفة، ودموع الثكالى في الشرق مثل دموع ثكالى هرمزكان.
وفي نهاية هذه النهاية الدموية، نقف أمام مرآة الحقيقة المؤلمة لنرى أن الإنسانية تسقط دائما عندما تشرق المدرسة. دماء أطفال “بحر البقر” وطلاب “الثمن الطيب” ليست مجرد أرقام غبية تذكر في الأخبار، أو ملفات مطوية في أدراج منسية. إنها وصمة عار تؤرق الضمير، ودليل حي على أن الإرهابي الصهيوني سيظل حرا حرا. وسيظل هذا الدم يصرخ في وجه الصمت المخزي، يريد عالما تكون فيه السماء طريقا للطيور. والأحلام، لا طريق للموت والدم، وتبقى أخطاء بحر البقر ثمنا طيبا مكتوبا بالأدلة والكلمات والصور.
ويبقى الجاني طليقا.. وربما يوما ما يفوز بجائزة نوبل للسلام!!
اقرأها مرة أخرىالإعلامي عماد ناصف ينعي ممثل محمود بكري عضو مجلس الشيوخ.
الكاتب عماد ناصف يشارك حكاياته مع أحمد زكي في “الأرشيف الصحفي”.. غدا
