المنطقة التي أصبحت فوق صفيح ساخن بسبب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران أصبحت أيضًا منطقة تستعد لإقامة محور إقليمي جديد، في محاولة لزيادة حدة التوتر والعنف بالمنطقة، من خلال إنشاء محاور عسكرية واستراتيچية جديدة لم تكن موجودة بهذا الشكل الواضح قبل إعلان رئيس وزراء الكيان المحتل منذ أيام عن التجهيز لولادة محور جديد تقوده كل من إسرائيل والهند ومعهما دولتا اليونان وقبرص بجانب دول أخرى عربية وإفريقية لم يتم الإعلان عنها بشكل واضح رغم التسريبات العديدة التي أشارت إلى هذه الدول.
الهند، وهي عملاق آسيوي جديد يحاول أن يزاحم الصين المجاور له، كانت قد تلقت ضربات موجعة منذ عدة أشهر من جارتها الباكستانية بسبب خلافات حدودية بينهما أدت إلى وقوع خسائر كبيرة في طائراتها العسكرية التي وقعت في مرمى الدفاعات الجوية الباكستانية، مما أدى إلى تساقط عدد منها بشكل مهين رغم نفي الهند لذلك.
والهند يترأسها حاليًّا رئيس وزراء معروف عنه كرهه الشديد للإسلام والمسلمين واعتزازه بديانته الهندوسية التي يدين بها هو «ناريندرا مودي»، وهو أيضًا عضو في منظمة تُدعى (راشتريا سوايامسيفاك سانج) وهي منظمة قومية يمينية هندوسية تُعتبر الجناح الأيديولوچي لحزب بهاراتيا جاناتا الذي يتزعمه.
الهند أيضًا في عهد رئيس الوزراء الهندي الحالي «ناريندرا مودي» استطاعت أن تعمِّق علاقاتها مع إسرائيل من مجرد علاقات اقتصادية إلى علاقات استراتيچية عسكرية، خاصة أن لدى كل منهما عدوًّا واضحًا وهو باكستان، تتوعده إسرائيل دائمًا وتتربص به لامتلاك باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة بشكل واضح القنبلة النووية التي اكتملت تجاربها النووية وتم إعلانها رسميًّا دولة نووية في مايو عام 1998 ردًّا على امتلاك الهند القنبلة النووية، وهو أمر يثير قلق إسرائيل بنفس درجة قلق الهند تقريبًا، على الرغم من عدم خوض باكستان أي حرب سابقة مع إسرائيل.
كما أن كلا الجيشين الهندي والباكستاني قد خاضا عددًا من المعارك التي لم تكن معظمها في صالح الجيش الهندي، كان آخرها ما جرى في مايو الماضي، وأعلنت بعدها باكستان عن سقوط 5 طائرات رافال بسبب امتلاك باكستان تكنولوچيا دفاعية حديثة استطاعتِ التشويش على الطائرات الهندية، مما أدى إلى سهولة وقوعها في مصيدة أنظمة الدفاع الباكستانية.
ادَّعي نتنياهو أن الحلف الذي تقوده إسرائيل والهند جاء لمواجهة الحلف الشيعي المتطرف الذي تقوده إيران وأذرعها المناوئة لإسرائيل في المنطقة، وهي أذرع تم تقليم أظافرها كثيرًا وأصبحت أضعف كثيرًا من ذي قبل، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان الذي أصبح في أسوأ حالاته منذ ثلاثة عقود، كما أن الحوثيين في اليمن أصبحوا أضعف كثيرًا بعد منع الإمدادات التي كانت تصلهم من إيران وبسبب الضربات الكثيرة من جانب إسرائيل وأمريكا وإنجلترا، فضلًا عن أن إيران مشغولة بما تتعرض له من هجمات أمريكية وإسرائيلية.
كما ادَّعى نتنياهو أن الحلف الإسرائيلي الهندي جاء ليواجه حلفًا سُنِّيًّا يقول إنه سيتشكل في المنطقة، ولم يكشف صراحة عن أسماء الدول والجهات التي ستشكل هذا الحلف السُّني الذي يدعيه، خاصة أنه لم تعلن دولة سُنية واحدة من الدول السُّنية الكبرى في المنطقة عن عزمها تكوين حلف سُني كما فعل نتنياهو.
ونتنياهو، الذي كان يضغط بكل ما أوتي من وسائل الضغط الصهيونية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كي يضرب إيران إلى أنِ اندلعتِ الحرب، يسعى في نفس الوقت إلى تحضير المنطقة لعصر جديد من القوى كي تحل محل القوى التقليدية الموجودة فيها، ويسعى في نفس الوقت إلى إنشاء حلف داعم وموازٍ لضرب إيران من دول أخرى ربما كانتِ الهند من بينها.
ويسعى نتنياهو إلى الزج بالمنطقة في سياسة الأحلاف الجديدة التي يحاول إنشاءها في المنطقة كي يتمكن من تغيير موازين القوى لصالحه.. مستفيدًا في ذلك من الإدارة الأمريكية الحالية التي تمنحه دعمًا غير مسبوق، سواء كان هذا الدعم سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو عسكريًّا، لدرجة إمكانية خوض حرب بالوكالة عن إسرائيل ضد طهران بعد أن روَّج أن الصواريخ الإيرانية يمكنها ضرب أمريكا، سواء كانت هذه الضربات ستشمل القواعد الأمريكية ومصالحها في المنطقة، أو الترويج بأن إيران تطور صواريخَ يمكنها ضرب أمريكا نفسها، وهو ما بدأ بعض الساسة الأمريكيين ترديده مؤخرًا، منها ما ورد على لسان وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو الذي صرح الخميس الماضي بأن صواريخ إيران قصيرة المدى يمكنها ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما أدى إلى شن أمريكا حربها الجارية الآن ضد إيران.
وتعتمد إسرائيل في قيادتها لهذا الحلف المزعوم الذي تسعى لتنفيذه في المنطقة إلى استقطاب دولتين أوروبيتين لهما عداء تاريخي وتنازع عسكري مع تركيا، هما اليونان وقبرص، فضلًا عن الهند التي لديها عداء تاريخي مع باكستان، وتركيا وباكستان من أهم الدول الاسلامية السُّنية التي لها علاقات متوترة مع إسرائيل، فسبق لنتنياهو أن هدد باكستان علنًا أكثر من مرة، رافضًا أن تمتلك باكستان المسلمة سلاحًا نوويًّا. كما أن تركيا لديها بعض التوترات في النفوذ الإقليمي مع إسرائيل مؤخرًا، خاصة فيما يتعلق بالنفوذ داخل سوريا الذي تصاعد منذ نحو عام وبعد هروب بشار الأسد من الحكم ومجيء أحمد الشرع، فتتصارع كل من تركيا وإسرائيل لتأكيد وتثبيت نفوذ كليهما في الأراضي السورية، إحداهما وهي تركيا تسيطر على مساحة كبيرة من الشمال الشرقي السوري، بينما تعزز الثانية وهي إسرائيل وجودها في الجنوب السوري، خاصة في مناطق القنيطرة وجبل الشيخ والسويداء، وجميعها مناطق ذات أهمية استراتيچية كبيرة.
وفي خلال زيارته التي استمرت على مدى يومَي الأربعاء والخميس الماضيين وقَّع رئيس وزراء الهند مع نظيره الإسرائيلي نحو 16 اتفاقية ومذكرات تفاهم في مجالات متنوعة شملتِ الدفاع والتكنولوچيا والذكاء الاصطناعي والزراعة والتعليم والثقافة أيضًا.
وتُعتبر الهند من أهم وأكبر الدول المستوردة للأسلحة الإسرائيلية، كما أصبحت في عهد رئيس وزرائها الحالي أكبر سوق للأسلحة الإسرائيلية. وتعتمد هذه السوق على استيراد أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، خاصة تلك التي تتميز بالتقنية العالية الدقيقة، منها صفقة القبة الحديدية التي استوردتها الهند بمليارَي دولار، بالإضافة إلى أنظمة الرادار والاستشعار والطائرات المسيَّرة وتكنولوچيا الأمن السيبراني والمراقبة، وتجاوزت قيمة المبادلات التجارية ما بين الهند وإسرائيل العام الماضي 3.5 مليار دولار.
وكانت زيارة رئيس الوزراء الهندي لإسرائيل قد جرت بعد يومين فقط من إعلان نتنياهو عن تأسيس المحور الجديد، كاشفةً عن مدى التنسيق الذي يدور بين الدولتين وما تخططان له من محاولة هيمنة إقليمية في ظل الصراع الإقليمي المتسارع الجاري الآن. وكل من الهند وإسرائيل لديها طموحات النفوذ والقوة، كما أن كلًّا منهما أمامها تحديات صعبة تحوْل دون تحقيق هذه الطموحات. وكان تلاقي هذه الطموحات سببًا في أن تتحول العلاقات بينهما إلى مستوى العلاقات الاستراتيچية بعد أن بدأت سرًّا وعلى استحياء في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، حتى أصبحتِ الهند الآن هي أهم حليف آسيوي لها علاقات اقتصادية وعسكرية مع إسرائيل.
ويدَّعي نتنياهو أن هناك «تحالفًا سُنيًّا يتبلور!» أو في طريقه إلى التبلور في المنطقة، في إشارة منه إلى تركيا وباكستان ومصر والسعودية وربما الجزائر، وهو ادعاء ليس مبنيًا على حقائق الواقع ولا أساس له، خاصة أن أيًّا من هذه الدول السُّنية لم تصرح بأنها في طريقها لتكوين حلف كما فعل نتنياهو، بل إن نتنياهو هو الوحيد في المنطقة الذي أعلن عن عزمه تكوين حلف عسكري واستراتيچي في المنطقة في مواجهة حلف سُني وحلف شيعي، وهو الأمر الذي لم يعلنه أي زعيم آخر في المنطقة.
ونتنياهو الذي يسعى إلى تحويل المنطقة لأحلاف يسعى أيضًا لإشعال الإقليم بمزيد من التوتر والعنف والتوسع واستغلال حالة الهشاشة الأمنية التي يعانيها عدد من الدول الإقليمية والتهام المزيد من الأراضي، كما حدث في كل من سوريا ولبنان وما يحدث يوميًّا من توسعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة الضفة الغربية التي نشطت فيها عمليات قضم واستيلاء على مساحات كبيرة من أراضي الفلسطينيين زادت وتيرتها في الفترة الأخيرة.
اقرأ أيضاًبعد أن سيطر على مخ ترامب والجيش الأمريكي.. نتنياهو يجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة
10 سيناريوهات متدرجة تشمل الداخل والخارج.. إيران إلى أين بعد مقتل «خامنئي»؟
ارتفاع في مؤشرات البورصة المصرية مع دخول حرب إيران يومها الثالث
