في الحروب لا تُقصَف المدن وحدها، بل تُقصَف الروايات أيضًا، والصواريخ إذا كانت تهدم البيوت والمستشفيات، فإن السرد وحده يهدم المعنى، ويعيد بناءه، ولهذا تخاف الدول الغاشمة من الكاميرا، بقدر خوفها من السلاح، فالصورة حين تُحسن صياغتها، تصبح وثيقة، وضميرًا، ومحكمة.
هنا، والآن، في موسم رمضان، برزت ملحمة «صحاب الأرض»، بياناً بصرياً في زمن النار، لا يستدعي ماضياً بعيداً، بل يدخل في قلب اللحظة، يلتحم بالجمهور، ويضعه أمام سؤال بسيط، ومربك، وجوهري: مَن يملك الحكاية؟
في ثمانينيات القرن الماضي، حين قدمت الدراما المصرية «رأفت الهجان، وجمعة الشوان»، صنعت أساطير من لحم ودم، فككت الكيان الصهيوني الغامض، وأعادت تعريف البطولة الفردية، في زمن المعارك الاستخباراتية التي تمحورت حول بطل واحد، قلب شجاع يخوض المخاطر ولا يبالي، من أجل تحرير الوطن، أما صحاب الأرض يجيء في زمن مختلف، لتغيير معادلة البطولة، فالشعب بالكامل هو البطل: الأم، الطفل، الطبيب، والمقاوم، وحتى جدران البيوت المهدّمة، فالبطولة جماعية، والجرح جماعي، والذاكرة، أيضًا، جماعية.
في مطلع الألفية، أثار مسلسل «فارس بلا جواد» معركة فكرية حول «تأويلات نصوص تاريخية»، حول المشروع الصهيوني بالبروتوكولات الملعونة، أما في صحاب الأرض، فالمعركة ليست حول ورقة، بل حول صورة، هي شهادة واقعية تقذف بالمشاهدين إلى قلب الأرض المحترقة، تلقي بهم أمام الأنقاض، على خلفية صوت الانفجارات، ينفضح صوت الصمت العالمي، تُختطف الكاميرا من الأيادي الملوثة النجسة، وتصرخ للعالم: انظروا إلى رواية مغايرة، وجاءت الدراما لتسحب البساط من تحت أقدامهم الوحشية، لا تناقش رواياتهم المكذوبة، وإنما تتجاوزها بعرض الحقيقة دون حاجة إلى “جدل عقيم”.
“صحاب الأرض” لا يكتفي بتسلسل الأحداث، والأخبار، والأرقام، والبطولات الخارقة، ولكنه يغوص داخل الواقع الإنساني للبشر العاديين، المفزوعين، بتفاصيلهم الصغيرة كالبحث عن الماء والخبز، أو محاولات النجاة من القصف، وتضفير المعاناة بعلاقة حب تنشأ بين الطبيبة المصرية «التي جسدتها باقتدار منة شلبي»، والمواطن الفلسطيني (إياد نصار)، كجسر درامي يجمع بين شخصين من عالمين مختلفين وسط مأساة الحرب، والتركيز على المشاعر الإنسانية المتأرجحة بين العزم والأمل واليأس والقهر، وسرد قصص الحياة والموت اليومية، وتكرار مشاهد كتابة الأسماء على جدران أنقاض المنازل المهدّمة، كرمزية لليأس والأمل، في آن واحد، وحتى تفاصيل مشهد «الكلاكس» التي أثارت جدلاً واسعاً، كـ رمزية لطريقة التعبير عن التحدي والصمود.
ليست المأساة في الموت، بل في أن يتحول الإنسان إلى رقم، مقولة فلسفية نسبت للعديد من المفكرين، ولكنها كانت نصب أعين صناع المسلسل، في وظيفة أخلاقية للدراما: تحويل الضحية من رقم إلى وجه، من عنوان إلى اسم، وتوجيه الكاميرا من مشهد القصف إلى لقطة “زووم” على عين طفل يبحث عن أبيه وسط الركام، دموع متحجرة في عيون طبيبة عاجزة عن إنقاذ حياة إنسان، ارتعاشة يد تكتب أسماء المختفين وسط الأنقاض، وكأنما تحولت أطلال البيوت إلى دفاتر حضور وغياب!.
جاءت اللقطات قريبة جدًّا«close up» يقرأ من خلالها المتفرج الحرب داخل عيون أطفأها الهلع، دون وجود “فاصل آمن” بين المتلقي والألم، بزوايا كاميرا ضيقة داخل الأنقاض، يختنق معها المتفرج، وخلفية أصوات مرتعشة يتقافز معها السؤال الصعب: “كيف يعيش البشر حين يصبح الموت احتمالاً يومياً؟”، فالمسلسل لا يقدم حرباً، وإنما يستعرض زمن الحرب، بكل حالاته النفسية المقهورة، المفزوعة، اليائسة، في تركيز مكثف ربما يصيب أصحاب القلوب الضعيفة بالإنهاك، ولكن الواقع أكثر إيلامًا، يا أولى الألباب.
في زمن ازدحام الروايات، جاء صحاب الأرض كوثيقة درامية ذات لغة بصرية واقعية: تصوير من قريب، إضاءة داكنة، أداء داخلي غير مباشر، مع حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تقاطع الفن المصري مع القضية الفلسطينية، تلك القضية التي تتوارى حينًا، لكنها أبداً لا تموت في وجدان الأمة، ما يفسر هجوم الإعلام العبري على المسلسل، متهمة إياه بتبني سردية أحادية لأحداث غزة، واعتباره رسالة سياسية من القاهرة”، تتجاوز كونه عملاً فنياً، وسط إشادات عربية واسعة، أعادت النقاش حول الدور السياسي للفن، وحدود التطبيع الثقافي، والدراما كأداة للوعي، وامتداد الدور العربي لمصر في مساندة القضية الفلسطينية، بمسلسل يلمس حياة الناس اليومية تحت القصف بمنتهى الواقعية، يجعل المشاهدين “يعيشون” الأحداث، لا يرونها فقط.
وإذا كانت الزميلة آلاء حمزة في تحقيقات «الأسبوع»، قد رصدت عشرات القصص من واقع معاناة صحاب الأرض، فإن المسلسل جسّدها درامياً على الشاشات، ولم يكتفِ برواية دموية الصراع بل يجاهد أيضاً لحفظ الهوية والتراث الفلسطيني، ويُظهر التمسك بالأرض كثقافة وكرامة، ما يمثل “قوة ناعمة” للفن المقاوم، بعيداً عن “فذلكة” الخطابات السياسية.
ولعل الهجوم الضاري الذي شنته المدعوة «أيلا»، المتحدثة باسم جيش الاحتلال، بحق المسلسل، أعظم دليل بأنه نجح في أن يوجعهم بشدة، وجعاً جعلهم يرتعدون من فكرة تأثير الدراما على إعادة رسم الخريطة داخل العقول، وتثبيت رواية بديلة في وعي ملايين المشاهدين، من متابعي المسلسل الذي لا يصرخ صُناعه، تكفيهم الصور بتفاصيلها الدقيقة، دون بكسلة، أو تشويه، في قالب درامي يتجنب الشعارات، ويجذب التعاطف للجانب المظلوم، الذي يمارس حقه في الحياة، ومقاومة سارقي الحياة.
لماذا يخافون من الدراما؟ لأنها تمتلك أسلحة فتاكة، قوى ضاربة: أولها قوة العاطفة التي تتسلل للقلب، وتملي على العقل يقينه، وقوة التكرار حيث تتسلل الفكرة بهدوء، وقوة التخصيص، حين نرى الضحايا بوجوههم، وأسمائهم، كأعظم دليل ضد محاولات الإنكار، في لحظة معاصرة مفتوحة، لم تُغلق ملفاتها بعد، لم ينبش صُناعه في أرشيف ذكرى بعيدة، بل جاء في نفس لحظة نزيف الدم، قبل أن يجف، هنا مكمن الخطورة، مع عمل لا يقدم معارك عسكرية، بل يقدم زمناً نفسياً للحرب، كأقصر طريق إلى ضمير العالم، فالدموع الصادقة أطول عمراً من الخطابات السياسية، والمعركة ليست فقط على الأرض، بل على الرواية، والدراما قد تغيّر صورة ذهنية في عقل مُشاهد بعيد، فالصورة الذهنية أخطر من الرصاصة!
يخافون من الدراما، فالخبر يُنسى، ولكن المشهد يعيش، وحين تجبر المتفرج على البقاء داخل لحظة الألم، لا يمكنه بعدها أن يعود إلى الحياد بسهولة.
باختصار، فإن صحاب الأرض ليس مجرد عمل رمضاني عابر، بل ذاكرة، وفي زمن تُمحى فيه التفاصيل سريعاً، يكون أنبل ما يقدمه الفن أن يرفض السماح لنا بالنسيان، حلقة جديدة في سلسلة تقول، بهدوء أحياناً، وبصدام أحياناً أخرى: «الحكاية لم تنتهِ، وما دام هناك مَن يرويها، فلن تُمحى، أبد الدهر».
اقرأ أيضاًمسلسل «صحاب الأرض» الحلقة 12.. وفاة فدوى واعتقال كارما ابنة إياد نصار
مسلسل صحاب الأرض الحلقة 12.. هل تتراجع قوات الاحتلال عن وحشيتها بعد انتحار الضابطة الإسرائيلية؟
مسلسل صحاب الأرض الحلقة 11.. ضابطة بقوات الاحتلال تكشف همجية إسرائيل أمام العالم
