أخبار العالم

الجغرافيا حين تعتذر عن اللاهوت، ، ! – الأسبوع


الجغرافيا حين تعتذر عن اللاهوت، ، !

محمد سعد عبد اللطيف

محمد سعد عبد اللطيف

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وجد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، نفسه في قلب عاصفة دبلوماسية بعد تصريحات أُشير فيها إلى مفاهيم دينية ذات صلة بـ“أرض الميعاد”، قبل أن يسارع إلى إرسال رسائل توضيح واعتذار إلى عدد من رؤساء الدول العربية، مؤكدًا أن حديثه لم يكن دعوة إلى إعادة رسم الخرائط، بل قراءة دينية أُسيء فهمها في سياق إعلامي ملتبس. غير أن ما جرى لم يكن مجرد التباس لغوي، بل كشف عن طبقة عميقة من التوتر الكامن بين العقيدة والسياسة، بين النص المقدس وحدود الدولة الحديثة.

فعندما يُستدعى مفهوم توراتي في خطاب سياسي معاصر، فإن المسألة تتجاوز سوء الفهم الإعلامي إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن للتاريخ المقدس أن يتحول إلى برنامج جيوسياسي؟ الإشكالية هنا لا تكمن فقط في نوايا القائل، بل في طبيعة الفكرة ذاتها. فحين تُطرح تصورات دينية عن الحدود في فضاء سياسي ملتهب، فإنها تُقرأ تلقائيًا بوصفها إشارات قوة، لا كتأملات لاهوتية معزولة عن الواقع.

الشرق الأوسط ليس ساحة رمزية، بل مساحة مثقلة بالذاكرة والجراح. وأي حديث عن “حق تاريخي” يستند إلى مرجعية دينية يعيد فتح ملفات الصراع، من فلسطين إلى تخوم الجغرافيا العربية الأوسع. هنا تتقاطع الأسطورة بالتاريخ، ويتداخل الإيمان بالقانون الدولي، وتتحول الكلمات إلى رسائل تتجاوز نية قائلها، مهما حاول التوضيح أو الاعتذار.

في الفكر السياسي الحديث، الدولة كيان قانوني تُعرّفه الحدود المعترف بها دوليًا، لا النصوص المقدسة. غير أن التجربة الإسرائيلية أظهرت كيف ظل البعد الديني حاضرًا في الوعي القومي، يتقدم أحيانًا ويتراجع أحيانًا أخرى تبعًا للظرف السياسي. وعندما يصدر مثل هذا الخطاب عن ممثل رسمي لواشنطن، فإن وقعه لا يُقاس بميزان اللاهوت، بل بميزان التوازنات الإقليمية وحسابات الردع والتحالفات.

الولايات المتحدة تدرك حساسية المنطقة، وتعلم أن أي إيحاء بتوسّع جغرافي مستند إلى تأويل ديني قد يُفهم باعتباره انحيازًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الدعم التقليدي لإسرائيل. لذلك جاء التوضيح سريعًا، وترافق – وفق ما تسرّب من دوائر دبلوماسية – مع رسائل مباشرة لطمأنة العواصم العربية بأن السياسة الأمريكية لا تُبنى على نصوص دينية، بل على معايير القانون الدولي ومصالح الاستقرار الإقليمي. غير أن الضرر المعنوي في مثل هذه الحالات لا يُمحى بسهولة، لأن الكلمات حين تمسّ الوجدان الجمعي تتحول إلى وقائع سياسية.

المسألة في جوهرها ليست دفاعًا عن تصريح أو هجومًا عليه، بل قراءة في طبيعة اللحظة الدولية. نحن أمام زمن تتراجع فيه اللغة الدبلوماسية الرصينة لصالح خطاب أكثر مباشرة، وأحيانًا أكثر صدامية. ومع تصاعد النزاعات، يصبح أي تعبير غير محسوب بمثابة وقود إضافي لصراعات قائمة، حتى لو أُرفق لاحقًا بتوضيح رسمي أو رسالة اعتذار.

الفلسفة السياسية تُعلّمنا أن الدولة الحديثة قامت أصلًا على محاولة فصل المقدس عن إدارة الشأن العام، وجعل الإيمان شأنًا فرديًا لا أداةً لرسم الحدود.لكن التاريخ يثبت أن هذا الفصل ظل هشًا، وأن المقدس يعود كلما شعرت الجماعات بتهديد وجودي أو بحثت عن شرعية أعمق من شرعية المؤسسات.

من هنا، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات هاكابي، وما أعقبه من رسائل توضيح، ليس حادثًا إعلاميًا عابرًا، بل مرآة لصراع أوسع بين منطق الدولة ومنطق العقيدة. وفي منطقة تتنازعها الهويات والروايات، تبقى الكلمة مسؤولية مضاعفة، لأن الجغرافيا في الشرق الأوسط لا تُرسم بالحبر وحده، بل بذاكرة الشعوب وتاريخها المفتوح على الاحتمالات.، ، !!

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، !!