أخبار العالم

في ذكرى العاشر من رمضان.. صور على جدار القلب – الأسبوع


اكتشفت أن للقلب جدارا غامضا، ظننت أن ما يرسم عليه مجرد صور بالطباشير الملون، نعم كرسوم الجرافيتى تلك، حائط كلما محوا ما على صدره ليعود ناصعا قابلا لأن يرسم عليه من جديد، اختزن الصور بداخله، امتصتها عروقه وباتت جزءا من نسيجه، طبقات من الحكايات، الانكسارات والانتصارات، دموع لم تجف أبدا، وأفراح أبقت الأمل، ألف الف حياة، نبضت وعاشت.

ما زلت تلك الطفلة هناك، كل ما حملته ذاكرتي من أيام بعيدة، صوت أبي في الشارع والنوافذ ملونة بالأزرق «زهرة الغسيل» التي كان القليل منها يوضع في الماء ليجعل الملابس البيضاء ناصعة البياض، هي نفسها التي كان الكثير منها يعتم زجاج النوافذ، ليصد أعين من يتربصون بالنور في عتمة الخوف:

طفوا النور.. غارة!

يجلجل صوت أبى، أسمع أزير صوت الطائرات، وأدرك أننا نمر بحرب، الخنادق الخرسانية تشق جوانب الأرض في أماكن محددة من الشوارع، وأبى في الظلام الدامس يطمئن ويحرسنا مع رفاقه بشارة الدفاع المدني، وأفروله الأزرق، وأمي تقرأ القرآن، ليحفظه الله ويحفظ من على الجبهة، لا أفهم إلا ما تحكيه لنا، عن أنه بطل، وأن ساقه بها رصاصة لأنه عندما كان طالبا في المرحلة الإعدادية بالأزهر الشريف خرج في مظاهرة ضد الإنجليز.

كل شيء باهت لكنه مختزن، عرفت عندما كبرت أنها كانت حرب استنزاف، وأن العدو هزمنا في 1967، خسرنا أرضا، ولم نخسر معها إرادة النصر.

سنوات تمر، وجدار القلب لا يخلو من حلاوة صور عابرة للألم، قصة من هنا وأخرى من هناك لبطولات تضخ الأمل وتعين على الصبر، لكن ذلك اليوم تحديدا كان مشحونا بالترقب، انظر إلى عيون الناس الحائرة بين الشك واليقين، في طريق عودتي من مدرستي الابتدائية عبر الحارة الضيقة، تهمس لي صاحبة محل البقالة الصغير وأنا اشترى قطعة الحلوى:

ـ أبويا بيقول بيكذبوا، قال عبرنا قال!

أعود إلى أبى بالشك

– بيقولوا نكسة تانية!

يغضب بكل ما أوتى من يقين

ـ مين قال؟! إن شاء الله نصر نصر.

ما زلت أبتسم كلما شاهدت الأفلام التي صنعت على عجل، ولم تكن على قدر الحدث العظيم، كوميديا مشهد التكبير والفرح الغامر في المقاهي في ظهيرة العاشر من رمضان شاهدت بعيني عكسها من مخاوف البيانات الكاذبة التي خدرتنا وقت الهزيمة، أتفاعل مع أفلام العمر لحظة، والرصاصة لاتزال في جيبي، وأبناء الصمت، ترتسم على ملامحي علامات شموخ لا أعرف سرها، فمدرستي الجديدة صار اسمها مدرسة 6 أكتوبر الابتدائية، لم تكن مدينتي من مدن المواجهة، ولم أكن أدرك أنني سأعشق واحدة من تلك المدن، السويس.

زرتها بعد النصر مرات ومرات، لأنها بلد صديقة طفولتي الجميلة الرقيقة، عادت إلى السويس بعد إعادة البناء، لم أكن أدرك ونحن معا أنها مهجرة، وأن أمها تركتهم في القاهرة وظلت تضمد الجرحى في مستشفى السويس العام، عرفت القصة حينما عادت إلى مدينتها التي صارت رمزا للصمود، وارتسم في القلب مشهد لن يمحي من أول زيارة سمحت لي بها والدتي لمدينتها بعد أن تواصلت معها سنوات بخطابات تحمل على ظهرها شيئا من معالم انسانيتنا الجميلة «شكرا لساعي البريد»، حفر في القلب مشهد البيوت المصابة في القصف، التي تركت في مدخل المدينة وكتب عليها «حتى لا ننسى» كان كل شيء قد تم تجديده وبقى حي الأربعين ومسجده الذى يحكى قصة الحصار والصمود والبطولات، وبقيت صديقتي وأمها وبيتهما الطيب الذى يحمل حائط غرفة جلوسه، صورة أخيها الذى مازال مجندا، ظلت هي وأسرتها من أجمل السطور التي تفسر صورا بقيت على حائط روحي.

لا تموت الحكايات لكنها تصنع ترنيمة ما، يعزف القلب الأناشيد، وكأنه لا يعرف من العالم إلا حماسة بثها ذلك الفرح الذى حفظ كل الأناشيد والأغنيات عبر ترديدها بصوت توغل برفق ودأب ليصنع حالة من النشوة والفخر والبهجة، ما أعذب صوت زميلاتي في مدرستي الإعدادية، ما بين طابور الصباح والكورال والصعود إلى الفصول على قرع الطبول وصوت الأوكرديون، بسم الله، الله أكبر بسم الله، وخلى السلاح صاحي، ورايحين رايحين شايلين في إيدنا سلاح، راجعين، راجعين رافعين رايات النصر، تتدفق الكلمات والألحان تتشربها الروح.

وترتسم الصور على جدرانها: الطائرات تنطلق أسرابا معلنة بدء حرب الثأر والكرامة، القوارب المطاطية تعبر القناة، الكباري التي يتم تركيبها فوق صفحة القناة بحرفنة وسرعة فائقة، الجندي والعلم وخط بارليف، تموج الذكريات، وترتسم ملامح النصر، ثم ملامح السلام، لكنني أعرف أن السلام سياسة، والسياسة لعبة الكبار، لكنها لا تمحو رائحة الدم من تراب المدن، أو مشاعر الفقد في قلوب الأمهات والآباء، تبقى النار كامنة في الصدور، يهال على جذوتها تراب الإكراه على التعايش، لكن الجذوة تنطلق بقوة الغضب من بندقية جندي على الحدود، العدو أيضا يدرك ذلك، فيتسلل بكل وسيلة إفساد ممكنة يتربص بالذاكرة، ويعبث بالأفكار، أعزف في مدرستي «بالسلام احنا بدينا»، صوت أم كلثوم كان عذبا، ورغم عذوبته وجمال الكلمات ولحن محمد الموجي.

كانت أصابعي تتمرد على رغبتي في العزف، ينتشر الحجاب، وأضع على رأسي غطاء من خيوط مشغولة مليئا بالحلايا يظهر الكثير من شعرى، فيصافح مدرس مدرسة الصنايع كل المحجبات أثناء تبادل الزيارات بين مدرستي الثانوية ومدرسته قائلا «تحية خاصة» لكنه يقف أمامي حائرا وقد تعثرت الكلمات في حلقه، ثم يقرر أنه لا بأس، فيمنحني تحيته الخاصة، أظل بين التردد والقبول لكن أبى لم يطلب منى يوما أن أغطى رأسي، تركني أصل بنفسي الى قناعات أتخذ بها قراري، نقبل فكرة سفر أبى لأنه سيأتي بالمال، لا بأس، أرض الله واسعة، لكنه لا يحتمل الغربة، يعود إلى عشقه، تلك الأرض التي سكنته وكانت سكنه، أدركت أنني مثله عندما سنحت لي الفرصة لاحقا، لن تسرق منى الغربة تلك الشوارع، ودفء البيوت ولمة العائلة، هنا حكاياتي وتاريخي، لكن السفر كانت له مع الغير أيضا حكايات، خط التوابيت الذى انفتح ذات تاريخ موجع، العائدون جثثا تراصوا وصنعوا ذاكرة أخرى للحزن، حفروا صورا جديدة لنعوش طائرة، غمرت الجثث شارعنا بالدموع، فقراء شارعنا أكثر من مستوريه، واللقمة الصعبة تأخذ في وجهها إنسانية البشر، وحقوقهم الأدنى، الحزن العاصر في ليالي الأفراح، أمر صار معقول الحدوث.

تجبر جارتنا على الزواج من رجل تكرهه لأن أولادها تيتموا ولم تجد حلا لتنفق عليهم سوى تلك الزيجة، وتخرج أخرى لتنظف بيوت الآخرين، وتبيع ثالثة أثاثها وكل ما تملك، لم نعرف وقتها لماذا يعود الرجال من العراق في توابيت، ولا سر اجتياح العراق للكويت، لكن التاريخ يمضى، لا يخفى ثعالبه وجوهها، ولا يبقى الثعابين في جحورها طويلا، والأطماع التي لم تعد استعمارا للأرض منذ زمن بعيد، عادت لتستعمر وتسرق الثروات وتحرق الأرض وتفكك الشعوب.

المذهل أن العدو دائما هو نفسه مهما اختلفت أقنعته، حتى وإن انضم آخرون لموكب اللصوصية، أختزن الصور وأبكى مع كل وجع نال من عربي، تذيبني أوجاع لبنان وتترك مآسي فلسطين المحتلة ودماء غزة الندوب في صدري، يخيفني ما يحدث في ليبيا واليمن والسودان، وسوريا، أختفي في عباءة أبى في ليل الشتاء البارد، حضنه يتسع لإخماد مخاوفي، أصنع انتصاراتي الصغيرة، تتلبد في سماء الوطن الغيوم الثقال لكنها بعد حين تنقشع أو تمطر، تتعقد الحياة وتنفرج أساريرها، وفى كل الأحوال أمضى قدما، أترك عثراتي سريعا، وأعرف دائما أن حائط صدى بطل ينتظر لحظة الخطر ليحميني، أحتفظ بصفارته التي كانت تشق ظلمة الليل وتطمئنني أن حارسي يجوب الشوارع ناشرا الطمأنينة.

وبقدر ما صدقت الأمل في ثورة يناير، بقدر ما كانت قسوة رؤية الحلم يسرق، خطوط شديدة السواد ترسم على جدار القلب وجع العيون التي رشقت والرصاصات التي اغتالت، كنت هناك، أحمل علما، وأغنى بالميدان، لكنني بعد مرور كل تلك السنوات ما زلت قادرة على الحلم، ربما لأنني صرت أحمل تاريخا اتسعت له شراييني، شاهدت انتصارا يزهق الباطل ويعيد الحق، صمودا يرقى إلى مستوى المعجزات، نعم رأيت التحولات الكبرى، وشهدت على ما فهمت، ورسمت صورا لما لم أفهمه لحين تتكشف المعاني، ومازلت أعيش وكلى يقين بالنصر كلما هزمت.

اقرأ أيضاً«سيناء بين الحرب والسلام».. ندوة تثقيفية بفنون تطبيقية حلوان بمناسبة ذكرى العاشر من رمضان

عائلة السادات تحيى ذكرى العاشر من رمضان بمنزل الرئيس الراحل بمسقط رأسه

جبالي: نستلهم في العاشر من رمضان عزيمة أبطالنا ونؤكد التزامنا بالتضحية من أجل الوطن