لم يكن مجرد صحفي، بل شاهدًا على عصرٍ كامل، بوصفه أحد أبرز من صاغوا الكلمة لتصبح وثيقة، والرأي ليغدو جزءًا من صناعة التاريخ لم يكن قلمه حبرًا على ورق، بل كان نافذة أطلّ منها القارئ العربي على دهاليز السياسة وأسرار القرار، فصار اسمه مرادفًا للصحافة التي تُفكّر قبل أن تكتب، وتُحلّل قبل أن تحكم، إنه الجورنالجي محمد حسنين هيكل، والذي تحل علينا اليوم ذكرى وفاته، لنستحضر مسيرته الطويلة في بلاط صاحبة الجلالة
نشأة هكيل
ولد «هيكل» عام 1923، وبدأ مسيرته الصحفية مبكرًا، فعمل في صحف عدة، قبل أن يلمع نجمه في مؤسسة «أخبار اليوم»، حيث أثبت قدرة لافتة على الوصول إلى مصادر المعلومات وتحليلها بعمق، ومنذ بداياته، اتسم أسلوب «هيكل» بالدقة والقدرة على الربط بين الحدث وسياقه الأوسع، وهو ما ميزه عن كثير من أبناء جيله، فلم يكتفِ بنقل الخبر، بل كان يبحث عما وراءه، محاولاً فهم دوافعه ونتائجه المحتملة.
اقتراب هيكل من دوائر الحكم بعد ثورة يوليو
وجاء التحول الأبرز في مسيرة محمد حسنين هيكل مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، حين اقترب من دوائر السلطة الجديدة، وبخاصة من الرئيس جمال عبد الناصر. منذ تلك اللحظة، لم يعد مجرد صحفي يتابع الأحداث، بل أصبح قريبًا من صانع القرار، مطلعًا على ما يدور خلف الكواليس.
وفي عام 1957 تولّى رئاسة تحرير صحيفة الأهرام، لتتحول في عهده إلى واحدة من أهم الصحف في العالم العربي، ومنبر فكري وسياسي مؤثر يتجاوز حدود مصر، ويواكب التحولات الإقليمية والدولية.
«أعظم رئيس تحرير».. شهادة مكرم محمد أحمد
أشاد الكاتب الصحفي الراحل مكرم محمد أحمد بتجربة هيكل المهنية، واصفًا إياه بأنه «أعظم رئيس تحرير عملنا معه»، مؤكداً موضوعيته العالية، وحرصه على حماية العاملين معه، ومعرفته الدقيقة بأصول المهنة وآدابها.
وأضاف أن هيكل كان يقدّر المبتكرين والمبادرين، ويبحث دائمًا عن الصحفي المتميز، ويمنح الشباب فرصًا حقيقية لإثبات قدراتهم، دون أن يغلق بابه أمامهم، كما أشار إلى أن علاقتهما قامت على حوار دائم، يختلفان فيه ويتفقان، لكنه ظل قائمًا على الاحترام المتبادل.
من كاتب مقال إلى صانع رأي عام
في عهد عبد الناصر، لعب هيكل دورًا محوريًا في صياغة الخطاب السياسي للنظام. كانت مقالاته الأسبوعية تُنتظر بشغف، لا لأنها تنقل المعلومات فقط، بل لأنها تكشف اتجاهات السياسة وتوجهات القيادة.
تحوّل مقاله إلى ما يشبه رسالة غير رسمية من السلطة إلى الشعب، يتابعها الداخل والخارج باعتبارها تعبيرًا عن رؤية الدولة. وهكذا انتقل من موقع الراصد إلى موقع المؤثر في تشكيل الرأي العام وتحديد أولوياته.
نفوذ هيكل يتجاوز حدود الصحافة
لم يقتصر تأثير هيكل على الساحة المحلية، بل امتد عربيًا ودوليًا، حيث أقام علاقات مع قادة وزعماء عالميين، وشارك في مؤتمرات ولقاءات دولية خلال سنوات الحرب الباردة، ما أتاح له رؤية أوسع للصراع الدولي.
وتجسد نفوذه بوضوح في شهادة مكرم محمد أحمد، الذي روى كيف أنقذه هيكل من حكم بالسجن 25 عامًا في اليمن أثناء تغطيته لحرب اليمن، بعد تدخل حاسم أدى إلى ترحيله إلى مصر بدلًا من تنفيذ الحكم. عكس ذلك الموقف حجم تأثيره وقدرته على التدخل في لحظات مفصلية.
رحلة هيكل من الصداقة إلى الخلاف مع السادات
بعد رحيل عبد الناصر عام 1970، دخل هيكل مرحلة جديدة في علاقته بالسلطة. ففي عهد الرئيس أنور السادات، بدأت المسافة تتسع بينه وبين الحكم، خاصة مع اختلافه حول سياسات الانفتاح الاقتصادي وخيارات السلام مع إسرائيل.
انتهى الأمر بإبعاده عن رئاسة تحرير «الأهرام» عام 1974، ثم اعتقاله لفترة وجيزة عام 1981 ضمن حملة اعتقالات واسعة. إلا أن تلك الأزمات لم تُنه حضوره، بل دفعته إلى التفرغ للكتابة والتحليل من موقع الناقد.
وفي مرحلة ما بعد خروجه من المشهد الرسمي، تفرغ هيكل للتأليف، فأصدر كتبًا عديدة تناولت تاريخ مصر الحديث والصراع العربي- الإسرائيلي. من أبرزها كتاب خريف الغضب، الذي حلل فيه السنوات الأخيرة من حكم السادات والتحولات التي سبقت اغتياله.
كما كتب مطولًا عن تجربة عبد الناصر، مقدمًا شهادته بوصفه شاهدًا من قلب السلطة. هذا المزج بين التوثيق والرأي جعل أنصاره يرونه مؤرخًا عصريًا، بينما اعتبره منتقدوه معبرًا عن وجهة نظر مرحلة بعينها.
كتابة الخطابات الرئاسية ولحظات مفصلية في حيا هيكل
من أبرز أدواره قربه من عبد الناصر في صياغة خطابات مهمة، من بينها خطابات الاحتفال بعيد ثورة 23 يوليو، وخطاب التنحي عقب نكسة يونيو 1967. وفي كتابه «بين الصحافة والسياسة» كشف تفاصيل عن تكليفه بمهام رسمية، منها تولي وزارة الإرشاد القومي عام 1970 إلى جانب رئاسته لتحرير «الأهرام».
كان حاضرًا في لحظات شديدة الحساسية، ناقش فيها قرارات مصيرية، وشهد تفاعل الجماهير مع خطاب التنحي، في واحدة من أبرز لحظات التداخل بين السياسة والإعلام.
تأثير هيكل يتجاوز القرب من السلطة
وأسهمت تحليلاته في تهيئة الرأي العام لفكرة استعادة سيناء قبل حرب أكتوبر 1973، رغم أنه لم يكن في موقع القرار العسكري، لكن تلك المرحلة نفسها شهدت بداية التباعد بينه وبين السادات، مع تغير المسار السياسي والاقتصادي للدولة.
تكشف مسيرة هيكل أنه لم يكن مجرد صحفي قريب من الحاكم، بل شخصية لعبت دورًا في تشكيل الخطاب السياسي العربي لعقود، عاش صديقًا لعبد الناصر، مختلفًا مع السادات، وشاهدًا على تحولات كبرى.
لقد استطاع أن يحوّل المعرفة إلى خطاب، والخطاب إلى قوة ناعمة تؤثر في الرأي العام، لتبقى تجربته واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل والتأثير في تاريخ الصحافة العربية.
وفاة محمد حسنين هيكل
توفي الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في 17 فبراير 2016.
اقرأ أيضاً10 سنوات على رحيل «الأستاذ».. محطات في حياة محمد حسنين هيكل «أسطورة الصحافة المصرية»
وفاء الجيش بتعهداته.. شهادات وذكريات يرويها مصطفي بكري «الحلقة 75»
