أخبار العالم

كيف نفهم النص النبوى الشريف؟ (أخيرة) – الأسبوع


كيف نفهم النص النبوى الشريف؟ (أخيرة)

إبراهيم نصر

إبراهيم نصر

إن أوجه المناسبة التي عني العلماء بملاحظتها ذات صلة منطقية بفهم الحديث، فهم يؤمنون بوجود معنى محدد يقصده النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ما أرادوا فهمه فإنهم يُعملون كل القرائن التي تؤثر في الفهم، فينظرون إلى النص من خلال اللغة وقواعدها ودلالاتها، ويحتكمون إلى معهود العرب في فهمهم لها، و ينظرون إلى النص من خلال النصوص الشرعية الأخرى، وفق سياقاتها، والقرائن التي تحف بها، وبذلك فإن فهمهم يبنى على مرجعية، ومعيار يضبط طريقة الفهم.

ويمكن تطبيق هذا المعيار في فهم النصوص في كل عصر، ويمكن من خلاله الاستفادة من النصوص الشرعية بإعطاء حلول للمشكلات المعاصرة، و التعامل مع صور الحياة المتجددة على نسق منتظم مع اجتهادات العلماء، واستنباطات سلف الأمة، أي أن هذا المعيار، وهذه المرجعية تحمي الفهم من الجمود من جهة، كما تحميه من الفوضى من جهة أخرى، تحميه من جمود المدرسة الظاهرية التي تقف عند ظاهر النص، وترفض القياس والتعليل، فتقصر عن إدراك المعاني غير المنصوص عليها، و تعجز عن إعطاء أحكام لمستجدات الحياة، و صورها المتكاثرة مبنية على النصوص الشرعية.

وتحميه كذلك من فوضى المدرسة الباطنية التي يزعم أهلها أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وأن الناس يعلمون علم الظاهر والإمام، أو الولي يعلم علم الباطن. وهم يرون أن مقصد الشارع ليس فيما يتبادر إلى الذهن من المعاني الظاهرة التي تدل عليها القواعد اللغوية وسياق النصوص، وقرائن الأحوال، بل المقصد فيما وراء الظاهر من المعاني الباطنة التي قد تكون بعيدة كل البعد عن المعنى اللغوي، ووجوه البيان التي استخدمها العرب.

وقريب من هذه النزعة الباطنية بعض أصحاب النزعة العقلانية التي تتمرد على فهم السلف، ولا ترضى بقواعدهم في الفهم والاستنباط، بل يتطرف بعضهم فيقول في النصوص الشرعية ما يقوله بعض أصحاب النقد الغربي المعاصر أنه لا يوجد معنى واحد للنص، وأن المعنى يتشكل مع كل قارئ، بل مع كل قراءة، فقد يقدم القارئ الواحد للنص اليوم معنى يختلف عن المعنى الذي يقدمه له غدًا اختلاف تضاد، فلا يحتكمون إلى معيار، و بناء على ذلك يستطيع كل إنسان أن يدعى أي معنى لأي لفظ أو نص من النصوص، وهذه فوضى تؤدي إلى نتيجة حتمية هي إلغاء النصوص الشرعية، وإيجاد شرائع جديدة تتعدد بتعدد الأفهام والأشخاص.

ويصدق في هؤلاء قول القائل: “قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها”، وإن أحسنا الظن في أصحاب هذه المناهج القاصرة فإن الاستقراء لأقوالهم في بيان معاني النصوص الشرعية، وقواعد فهمها يشير إلى أنهم جميعا قد تجاوزا قوانين اللغة بشكل أو بآخر، ولذلك روي عن شيخ القراء واللغويين أبي عمرو بن العلاء أنه قال: “إن أكثر المتزندقين في بغداد إنما أُتوا من قبل جهلهم باللغة العربية”، وكرر المعنى نفسه لعمرو بن عبيد رأس المعتزلة حين قال له: “إنما أُتِيت أبا عثمان من عُجْمَتكَ”.

فى نهاية هذه السلسلة من المقالات أرجو أن أكون قد وقفنى الله فى جمع القواعد والأسس التى تمكنا من فهم النص النبوى الشريف، وأسأله سبحانه أن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما تعلمنا، ويوفقنا للعمل الخالص لوجهه الكريم.

[email protected]