لم تعد أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات هي تلك التي تُرى بالعين المجردة، بل تلك التي تتسلل في صمت، متخفية في ثياب الشرعية، حاملة اسم المهنة، خالية من جوهرها.
فحين تتحول الصحافة بوصفها رسالة ومسؤولية أخلاقية إلى مجرد بطاقة تعريف تُطبع، وكاميرا هاتف تُشغَّل، وصفحة على مواقع التواصل تُنشأ، فإننا لا نكون أمام تطور مهني، بل أمام انهيار في المعنى ذاته.
في السنوات الأخيرة، ظهر نوع جديد مما يمكن تسميته بـ«صحافة السرادقات» و«صحافة العزاء»، حيث باتت مناسبات الجنازات وسرادقات العزاء، بل وحتى الاستحقاقات الانتخابية، ساحة مفتوحة لظاهرة مقلقة: «أفراد يحملون هواتف ذكية»، يقدّمون أنفسهم للمقرئين والمنظمين، ويعلّقون على صدورهم كارنيهات مكتوب عليها (صحفي) أو (إعلامي)، دون سند قانوني أو مهني، مستندين فقط إلى صفحة على شبكات التواصل الاجتماعي تمنحهم في ظنهم شرعية زائفة.
إنها ظاهرة لا تتعلق فقط بانتحال صفة، بل بانتحال قيمة.
فالصحافة ليست بطاقة، ولا حضورًا في المشهد، ولا سباقًا نحو الكاميرا، بل مسؤولية أخلاقية ومعرفة ومساءلة ومهنية.
وما يحدث اليوم يمثل اختزالًا خطيرًا للمهنة وتحويلها إلى باب للاسترزاق، وإلى وسيلة لتحقيق الوجاهة الاجتماعية أو المكاسب المادية على حساب الحقيقة والمصداقية.
والأخطر أن هذه الفوضى لا تضر بالمهنة وحدها، بل تمس بنية المجتمع ذاته.
فحين تختلط الصفة الحقيقية بالمزيفة، وتضيع الحدود بين الصحفي المحترف ومدّعي الصفة، تتآكل الثقة العامة في الإعلام، ويصبح المجال العام فضاءً للفوضى بدل أن يكون مساحة للوعي والتنوير.
لقد أصبح من المألوف أن ترى في مناسبات العزاء من يقترب من المشهد بوصفه «تغطية إعلامية»، بينما هو في الحقيقة بحث عن موقع اجتماعي أو منفعة شخصية.
كما تحولت بعض الاستحقاقات الانتخابية إلى مسرح مفتوح لهؤلاء، حيث تُستخدم الصفة الإعلامية المزعومة كوسيلة للنفوذ أو التأثير أو الابتزاز الرمزي.
وهنا لا نتحدث عن تجاوز فردي، بل عن ظاهرة تتوسع في ظل غياب الضبط والمساءلة.
إن ترك هذه الظاهرة دون مواجهة يعني شرعنة الفوضى، وإهدار هيبة المهنة، وتفريغ العمل الصحفي من معناه الحقيقي.
فالدولة التي تحمي حدودها السياسية مطالبة أيضًا بحماية حدودها المهنية، والمجتمع الذي يسعى إلى الوعي لا يمكن أن يقبل بتزييف أدوات المعرفة.
ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل ننتظر تدخّلًا حاسمًا لضبط هذه الفوضى؟ وهل نشهد تشريعات واضحة تجرّم انتحال الصفة الإعلامية، وتفرض عقوبات رادعة على من يحول المهنة إلى لافتة بلا مضمون؟
في هذا السياق، تتعاظم التحديات أمام المشهد الإعلامي المصري، خاصة مع قرار إنشاء وزارة للإعلام وما يحمله من مسؤوليات جديدة في إعادة ضبط المجال وتنظيمه.
ويقع على عاتق الوزير ضياء رشوان تحدٍّ مركزي يتمثل في إعادة بناء الثقة بين المجتمع والإعلام، ووضع إطار مؤسسي صارم يحدد بوضوح من يحق له ممارسة المهنة، ومن يتجاوز حدودها.
إن المرحلة الراهنة تفرض رؤية إصلاحية شاملة لا تكتفي بضبط المخالفات، بل تؤسس لمعايير مهنية واضحة لممارسة العمل الصحفي. ولعل من الضروري فتح نقاش جاد حول آليات تنظيم مزاولة المهنة، عبر وضع ضوابط مهنية صارمة تقوم على الكفاءة والتجربة الفعلية، لا على الادعاء الشكلي.
ومن بين المقترحات التي يفرضها الواقع:
فتح باب ممارسة المهنة وفق معايير موضوعية تستند إلى السيرة الذاتية المهنية، وما قدمه المتقدم من أعمال موثقة خلال مدة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات في صحف ورقية، أو مواقع إعلامية معتمدة، أو مؤسسات إعلامية معترف بها.
اعتماد نظام تصريح مهني لمزاولة العمل الإعلامي، يُجدد سنويًا بناءً على ما يقدمه الصحفي من إنتاج مهني موثق، بما يضمن استمرارية الكفاءة ويمنع الجمود أو التسلل غير المهني إلى المجال.
وضع آليات قانونية واضحة تجرّم انتحال الصفة الصحفية أو الإعلامية، باعتبارها اعتداءً على المجتمع قبل أن تكون اعتداءً على المهنة.
تطوير منظومة رقابية ومهنية تواكب التحولات الرقمية، وتضع حدودًا فاصلة بين حرية التعبير والفوضى المهنية.
إن هذه الإجراءات لا تستهدف التضييق، بل تهدف إلى حماية المهنة من التسيب، وصون مكانتها بوصفها سلطة معرفية وأخلاقية. فالصحافة ليست حقًا بلا مسؤولية، بل مسؤولية تسبق الحق، والتزام يسبق الصفة.
إن ما ينتظره المجتمع اليوم ليس مجرد بيانات تنظيمية، بل مشروع مهني يعيد الاعتبار لقيمة الصحافة، ويفصل بوضوح بين الإعلام كرسالة، وانتحاله كوسيلة.
فالمهنة التي صنعت الوعي العربي وأسهمت في تشكيل الضمير الجمعي لا يجوز أن تتحول إلى بطاقة مطبوعة أو بث مباشر عابر.
في النهاية، ليست القضية دفاعًا عن امتيازات فئة، بل دفاع عن معنى الحقيقة ذاتها.
فالصحافة حين تفقد معاييرها تفقد قدرتها على أداء رسالتها، والمجتمع حين يفقد إعلامه المهني يفقد بوصلته الأخلاقية.
إنها لحظة اختبار: إما أن تُستعاد هيبة المهنة، أو تُترك للفوضى حتى تتحول الحقيقة نفسها إلى مجرد رأي، والمهنة إلى مجرد ادعاء.
(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاً«نقيب الصحفيين» يحذر من تراجع الصحف المحلية لصالح الأجنبية لهذا السبب
