أخبار العالم

“أخلاق”.. القرية – الأسبوع


تهاني تركي

تهاني تركي

الشهامة والمروءة والتكافل والتراحم والكرم واحترام كبير العائلة ومساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف، كلها صفات كنا نتغنى بها تلخص حياة وأخلاق أهل القرى، وحتى سنوات قريبة كنا نقارن بينها وبين ما حدث للمدن من تراجع أخلاقي وزيادة مساحة التقوقع حول الذات والبعد عن الجماعة، غير أن الحوادث التى تطالعنا بين الحين والآخر خلال السنوات الأخيرة جعلتنا نتساءل فى اندهاش عن أخلاق القرية التى يبدو أنها ذهبت ولن تعد.

المشهد المؤلم الذى شاهدناه منذ يومين فى إحدى قرى مدينة بنها بمحافظة القليوبية، والذى أجبر فيه شاب على ارتداء ملابس نسائية “خليعة” والوقوف على كرسي، بينما يتجمهر حوله سيدات ورجال يركلونه ويصفعونه إذا توقف عن الدوران حول نفسه، هو مشهد صادم ومهين لكل من لديه ذرة من النخوة والكرامة، إذ كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم بإذلال الشاب بهذه الطريقة المهينة وأيا ما كانت الأسباب أو الجريمة التى ارتكبها؟

الواقعة، كما كشفتها الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القليوبية بعد تداول مقطع فيديو عبر مواقع التواصل، تضمنت قيام عدد من الأشخاص بإجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية والتعدى عليه بالضرب.

وتم ضبط مرتكبى الواقعة، وعددهم 9 أشخاص- من بينهم سيدتان- الذين اعترفوا بارتكاب الواقعة على خلفية خلافات بينهم لارتباط الشاب بعلاقة عاطفية بابنة أحدهم..

“قلبى محروق على ابنى وهما بيجرجروه على الأرض من وسطنا أنا وأبوه”.. هكذا عبرت والدة الشاب فى تصريحات مصورة عن قلة حيلتها وضعفها فى مواجهة هؤلاء، الذين أشهروا الأسلحة فى وجه الجميع، كما أشار والده، واعتدوا عليه بالضرب ولم يكتفوا بذلك، بل اصطحبوه عنوة إلى ساحة القرية، وقاموا بإجباره على خلع ملابسه وأرتداء ملابس “الرقص”.

عمدة القرية كان له نصيب هو الآخر من “حفلة التعذيب” إذ ظهر فى مقطع هو الآخر وهو يصفع الشاب على وجهه وهو فى هذه الحالة المزرية، وعندما انتقده رواد مواقع التواصل الاجتماعي برر تصرفه بأنه كان لتهدئة الموقف وتخليص الشاب منهم، وبالطبع المبرر أفدح من الجريمة نفسها، فالعمدة- كما نعرف- هو كبير القرية وهو رمز السلطة والمعين بشكل رسمي لإدارة شئونها، وهو فى الغالب أيضا يكون أحد أبناء أكبر عائلات القرية، وبالتالي يتمتع بالنفوذ بحكم كل ما سبق ذكره، فهل كان لا يملك نهر المعتدين وتخليص الشاب من قبضتهم، أم أنه انحاز للطرف القوي على حساب الطرف الضعيف، معتقدا أن ذلك هو عين الحكمة؟

نقطة أخرى استرعت انتباهي فى هذا الحادث الموحش، وهى أهالي القرية الذين برروا عدم دفاعهم عن الشاب الذى أجبر على لف شوارعها وحواريها مرتديا الملابس النسائية، بينما يتناوب عليه بالضرب والركل، بأنهم جميعا كانوا فى أعمالهم، وهو عذر أقبح من ذنب أيضا، فهل لا يوجد رجال لا يعملون وهل خلت القرية تماما من أي منهم وقت وقوع الحادث، وحتى إن صدقنا الرواية فهل لا توجد سيدة من أمهات القرية “حنّ” قلبها على هذا الشاب المسكين وخلصته من أنياب الوحوش الادمية، خاصة أن إحداهن ذكرت أنها فتحت باب بيتها وشاهدت المشهد كاملا.

أين ذهبت النخوة والشهامة التى كانت قرانا تتمتع بهما؟! الأمر جد خطير ولا يحتمل مزيدا من التقاعس فى مواجهة هذه الظواهر الدخيلة على قيمنا وأخلاقنا.