ودع الوسط السياسي والقانوني اليوم أحد أبرز أعلامه، بوفاة الدكتور مفيد شهاب، والذي سيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة القانون والسياسة في مصر، بوصفه نموذجًا للعقل القانوني الرصين الذي جمع بين صرامة النص وروح العدالة، فلم يكن مجرد أستاذ يعتلي منصة الجامعة، بل كان مدرسةً فكريةً تسير على قدمين، ينسج من القواعد القانونية خيوطًا للفهم، ويحوّل المواد الجافة إلى قضايا نابضة بالحياة.
في مسيرته الأكاديمية والسياسية، تجلّت قدرته على الموازنة بين النظرية والتطبيق، فكان صوتًا للقانون حين يحتدم الجدل، وعقلًا مفكرًا حين تتشابك المصالح، آمن بأن القانون ليس أوراقًا تُحفظ في الأدراج، بل رسالة تُصان بها الأوطان وتُحمى بها الحقوق، لذلك ترك بصمةً واضحة في ساحات القضاء والبرلمان والجامعة، مؤكدًا أن المعرفة حين تقترن بالنزاهة تصنع أثرًا لا يُمحى، وفي السطور التالية نستعرض بشيء من التفصيل صفحات من تاريخ الدكتور مفيد شهاب.
المسيرة العلمية للدكتور مفيد شهاب
تدرج الدكتور مفيد شهاب في مسيرته التعليمية بتفوّق لافت، إذ أنهى دراسته الابتدائية والثانوية بمدرسة الليسية الفرنسية بالإسكندرية، ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية حيث حصل على ليسانس الحقوق بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، محتلاً المركز الأول على دفعته.
وأُوفد في بعثة حكومية لمدة ست سنوات لاستكمال دراساته العليا في إيطاليا وفرنسا، فحصل على دبلوم معهد القانون الدولي بروما، ودبلوم معهد الدراسات الدولية بباريس، وتوّج مسيرته العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس (السوربون) بتقدير جيد جدًا، وقد نالت رسالته، بعنوان «دور محكمة العدل الدولية في تفسير وخلق القانون الدولي»، جائزة أفضل الرسائل، تأكيدًا لتميزه الأكاديمي ومكانته العلمية في مجال القانون الدولي.
المسيرة المهنية للدكتور مفيد شهاب
وتدرّج الدكتور مفيد شهاب في مسيرته الأكاديمية منذ تعيينه معيدًا بكلية الحقوق حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون الدولي بجامعة القاهرة، جامعًا بين التفوق العلمي والممارسة العملية الرفيعة، وهو عضو جمعية خريجي أكاديمية القانون الدولي بلاهاي، وقاضٍ بالمحكمة الدائمة للتحكيم بلاهاي منذ عام 1988، كما شغل منصب المستشار القانوني للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية خلال الفترة (1978- 1984)، وأسهم في أعمال لجان تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ومواثيق المنظمات العربية المتخصصة (1983- 1989)، وأعدّ مشروع إنشاء محكمة عدل عربية عام 1985.
ومنذ عام 1984 وحتى 1997، ثم من عام 2011 وحتى وفاته، مارس المحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم الدولي، وشارك – بصفته محاميًا أو محكمًا دوليًا – في عدد من القضايا العربية والدولية البارزة، فكان عضوًا باللجنة القومية لطابا (1985- 1988)، وعضو فريق الدفاع المصري أمام هيئة التحكيم الدولية في جنيف بشأن قضية طابا (1986- 1988) التي انتهت لصالح مصر، كما كان محاميًا في قضية جزر حنيش أمام محكمة التحكيم الدولية في لندن، والتي صدر الحكم فيها في نوفمبر 1998 لصالح اليمن، ومحاميًا في قضية جزر حوار أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، والتي انتهت في مارس 2001 بحكمٍ لصالح البحرين.
وفي المجال الأكاديمي، انتُدب الدكتور مفيد شهاب خلال الثمانينيات والتسعينيات للتدريس في عدد من الجامعات والمؤسسات، منها: جامعة القاهرة (فرع الخرطوم)، وجامعة الزقازيق، وأكاديمية الشرطة بالقاهرة، وكلية الحقوق ومعهد العلوم السياسية بالجزائر، وكلية الشرطة بصنعاء، وكلية الشرطة بأبو ظبي، والمعهد الدبلوماسي بالرياض، والمعهد الدبلوماسي بمسقط، ومعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، وتولى رئاسة اتحاد الحقوقيين المصريين عام 1984، كما شغل منصب مدير معهد قانون الأعمال الدولي بجامعة القاهرة (1988- 1993).
وعلى الصعيد البرلماني والسياسي، عُيّن الدكتور مفيد شهاب عضوًا بمجلس الشورى خلال الفترة (1988- 2010)، وترأس لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومي بالمجلس (1989- 1997)، ثم انتُخب عضوًا بمجلس الشعب عن دائرة محرم بك بالإسكندرية في سبتمبر 2010، كما تولّى منصب الأمين العام المساعد لاتحاد الحقوقيين العرب منذ عام 1991، ثم نائب رئيس الاتحاد منذ عام 2018، وشغل رئاسة جامعة القاهرة (1993- 1997)، ورئاسة جمعية «أنصار حقوق الإنسان» بالقاهرة (1993- 1997)، وكان عضوًا بالمجلس الأعلى للصحافة (1992- 1997)، ومشرفًا عامًا على مركز الدراسات العربي الأوروبي بباريس (1992- 2000)، وعضوًا بالمجمع العلمي المصري منذ عام 1994، وعضوًا بالمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو (1997- 2004)، كما رأس الجمعية المصرية للقانون الدولي منذ عام 1999.
وتقلّد الراحل مفيد شهاب عدة مناصب وزارية، حيث شغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي (1997- 2004)، ثم وزير شئون مجلس الشورى (2004- 2005)، ثم وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية (ديسمبر 2005 – مارس 2011)، ومثّل مصر في العديد من المحافل الدولية، فرأس وفدها في مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار لمدة أربع سنوات، وكان رئيسًا للمجموعة العربية بالمؤتمر، كما شارك في القمة العربية بدمشق 2008، والقمة العربية بالدوحة 2009، والقمة الفرانكفونية أربع مرات، وقمة الساحل والصحراء ثلاث مرات، وترأس وفد مصر في اجتماعات المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف عامي 2009 و2010.
وفاة الدكتور مفيد شهاب
وتوفي الدكتور مفيد شهاب، وزير التعليم العالي والشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق، اليوم الأحد 15 فبراير 2026، عن عمر يناهز 90 عاماً.
وزارة التعليم العالي تنعي الدكتور مفيد شهاب
من جانبه، نعى الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وقيادات الوزارة والجامعات والمراكز والمعاهد البحثية وجميع مُنتسبي المجتمع الأكاديمي، الدكتور مفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، داعين المولى – عز وجل – أن يتغمده بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.
جامعة القاهرة تنعي الدكتور مفيد شهاب
ونعت جامعة القاهرة برئاسة الدكتور محمد سامي عبد الصادق، الدكتور مفيد شهاب، وزير التعليم العالي الأسبق، ورئيس جامعة القاهرة الأسبق، وأحد أعلام الفكر القانوني في مصر والعالم العربي، الذي وافته المنية بعد مسيرة علمية ووطنية حافلة بالعطاء قدّم خلالها الكثير في خدمة الجامعة والوطن.
وأعرب رئيس جامعة القاهرة عن خالص تعازيه لأسرة الفقيد، وللمجتمع الأكاديمي، داعيًا الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله وذويه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.
وأكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، أن الفقيد يُعد رمزًا للعالم الجليل والأكاديمي المرموق، وأسهم إسهامات بارزة في تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، وترك بصمة واضحة في مجالات القانون الدولي والدبلوماسية، كما تخرج على يديه أجيال من العلماء والباحثين في مجال القانون الذين يواصلون مسيرته العلمية، كما قدم للوطن خدمات جليلة في مختلف المناصب التي تقلدها.
اقرأ أيضاًعاجل.. وفاة الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الأسبق
موعد ومكان جنازة الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الأسبق
وزير التعليم العالي ينعى الدكتور مفيد شهاب أستاذ القانون الدولي
