أخبار العالم

بين الصفقة والاعتراف بالقوة.. لماذا يطلب ترامب لقاء خامنئي الآن؟ – الأسبوع


في لحظة إقليمية تتسم بالسيولة والتوتر وإعادة تشكل موازين القوى، يثار الحديث عن احتمال لقاء بين (دونالد ترامب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي) وهو احتمال لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل بوصفه انعكاسًا لتحولات عميقة في جغرافية الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ، وتتصارع الإرادات الدولية على إعادة هندسة الإقليم وفق توازنات جديدة. فالسؤال لم يعد فقط: هل يسعى ترامب إلى صفقة كبرى؟ بل الأهم: هل يعكس هذا الطلب اعترافًا ضمنيًا بقوة إيران؟ ولماذا الآن تحديدًا؟ وما الذي يحمله “رجل الصفقات” في جعبته؟ وهل يقبل المرشد الإيراني اللقاء أصلًا؟ وما موقف الشعب الإيراني من هذه الخطوة؟ وهل تقف إيران بالفعل عقبة أمام المشروع الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط؟

إن توقيت طرح فكرة اللقاء ليس معزولًا عن سياق دولي وإقليمي مضطرب، حيث تواجه الولايات المتحدة إرهاقًا استراتيجيًا بعد عقود من الحروب المكلفة في المنطقة دون تحقيق استقرار دائم، في الوقت الذي نجحت فيه إيران في ترسيخ حضورها الإقليمي عبر شبكة نفوذ ممتدة في أكثر من ساحة صراع، مستفيدة من الفراغات السياسية والانقسامات الجيوسياسية. كما أن التحولات الكبرى في النظام الدولي، واتجاهه نحو تعددية قطبية متصاعدة، فرضت على واشنطن مراجعة أدواتها التقليدية في إدارة الصراع، والانتقال من منطق المواجهة المباشرة إلى سياسة الاحتواء وإعادة التوازن. ومن هنا يبدو الحديث عن اللقاء محاولة لإدارة الصراع لا حسمه، وتنظيم التنافس بدل الانزلاق إلى صدام شامل.

وفي هذا السياق، فإن مجرد التفكير في لقاء على هذا المستوى يحمل اعترافًا ضمنيًا بحقيقة استراتيجية لا يمكن تجاوزها، وهي أن إيران أصبحت لاعبًا مركزيًا في معادلات الشرق الأوسط، وأن استبعادها من ترتيبات الأمن الإقليمي لم يعد ممكنًا. فقد استطاعت طهران، رغم العقوبات والضغوط الدولية، أن تعزز استقلالها الاستراتيجي وأن تفرض نفسها طرفًا مؤثرًا في قضايا الطاقة والممرات البحرية وتوازنات الردع الإقليمية. غير أن الاعتراف بالقوة لا يعني القبول بها، بل قد يكون مدخلًا لمحاولة احتوائها وإدماجها ضمن نظام إقليمي جديد تقوده واشنطن وفق شروطها.

وينتمي تفكير ترامب إلى فلسفة الصفقات الكبرى أكثر من انتمائه إلى عقيدة الصراعات المفتوحة، فهو ينظر إلى السياسة الدولية باعتبارها ساحة للمقايضة الاستراتيجية لا للصراع الأيديولوجي طويل الأمد.ومن ثم، فإن أي لقاء محتمل قد يقوم على حزمة تفاهمات تتعلق بالملف النووي الإيراني، وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية، وربما إدماج إيران في ترتيبات أمنية جديدة تضمن استقرار الخليج وممرات الطاقة. إنه منطق “السلام عبر الصفقة”، حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى مجال للتفاوض على المصالح لا إلى ساحة للصدام العسكري المباشر.

أما على الجانب الإيراني، فإن قرار قبول اللقاء لا تحكمه الحسابات السياسية وحدها، بل تحكمه أيضًا اعتبارات أيديولوجية وسيادية عميقة. فالعقيدة السياسية الإيرانية تقوم على رفض الظهور بمظهر الخاضع للضغوط الخارجية، ما يجعل أي لقاء مشروطًا بضمانات واضحة، أبرزها تخفيف العقوبات، والاعتراف بالدور الإقليمي لإيران، وتجنب توظيف اللقاء كإنجاز دعائي أمريكي. فالقيادة الإيرانية تدرك أن مجرد الجلوس إلى طاولة التفاوض قد يُفسَّر داخليًا بوصفه تنازلًا، وهو ما يفرض عليها حسابات دقيقة بين متطلبات الشرعية الداخلية وضرورات الانفتاح الدولي.

وفي الداخل الإيراني، تتباين المواقف بين تيار براجماتي يرى في أي تقارب مع واشنطن فرصة للخروج من ضغوط العقوبات وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتيار محافظ يخشى أن يشكل الانفتاح مدخلًا لاختراق سياسي وثقافي يهدد هوية الدولة ومشروعها السيادي. ومن ثم، فإن اللقاء المحتمل لا يمثل مجرد قرار سياسي خارجي، بل قضية داخلية تمس طبيعة النظام وتوجهاته المستقبلية.

أما من زاوية الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، فإن إيران تمثل العقبة الأكثر تعقيدًا أمام مشروع إعادة هندسة الشرق الأوسط، القائم على بناء منظومة أمنية جديدة تضمن استقرار تدفقات الطاقة، وتحد من الصراعات الممتدة، وتعيد تشكيل التحالفات الإقليمية وفق ميزان قوى أكثر انضباطًا. غير أن المفارقة تكمن في أن إيران، في الوقت ذاته، تمثل عنصر توازن يمنع احتكار القوة في الإقليم، وهو ما يجعل احتواءها أكثر واقعية من محاولة إسقاطها أو عزلها بالكامل.

إن الشرق الأوسط، في جوهره، ليس مجرد مساحة جغرافية، بل ساحة صراع مفتوح بين التاريخ والهوية والمصالح، حيث تتداخل اعتبارات القوة مع ضرورات البقاء، وتتشكل السياسات وفق توازنات دقيقة بين الردع والتفاوض. ومن ثم، فإن أي لقاء محتمل بين واشنطن وطهران سيكون في حقيقته تفاوضًا على شكل النظام الإقليمي القادم: هل سيكون نظامًا قائمًا على الهيمنة الأحادية أم على توازن القوى؟ وهل ستنجح الصفقات السياسية في تحقيق الاستقرار، أم أن المنطقة ستظل أسيرة صراعاتها البنيوية؟

وفي المحصلة، إذا تم اللقاء فسيكون إعلانًا عن انتقال الصراع من مرحلة المواجهة إلى مرحلة إعادة التشكيل، أما إذا فشل فسيعني استمرار الشرق الأوسط في دائرة الاستنزاف والتوتر المفتوح. وبين الصفقة والتحول التاريخي، تبقى الحقيقة الأعمق أن هذه المنطقة لا تُدار بالقوة وحدها، ولا تستقر بالصفقات وحدها، بل بتوازن معقد بين المصالح والتاريخ والهوية، حيث تظل الجغرافيا السياسية قدرًا لا يمكن تجاوزه، وحيث تبقى صراعات الشرق الأوسط انعكاسًا دائمًا لمعركة النفوذ على مستقبل العالم.!!

اقرأ أيضاًأمين المجلس الأعلى للدفاع الإيراني: القدرات الصاروخية خارج صلاحيات المفاوضين

ترامب: على المرشد الإيراني خامنئي أن يشعر الآن بالقلق

مستشار خامنئي: إيران أكدت في 5 جولات مفاوضات سابقة أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي