بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 2009، جاء فوز د.أحمد درويش، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن، بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، عضو المجلس الأعلى للثقافة، في لجنة الدراسات الأدبية والنقدية واللغوية، الخبير بمجمع اللغة العربية، جاء فوزه بجائزة النيل للآداب لعام 2025، تتويجا، مستحقا، لمسيرة زاخرة بالإنجازات العلمية في مجال تخصصه النقديّ تنظيرًا وتطبيقا وترجمة. وهي أرفع جائزة رسمية يحصل عليها مثقف مصري يثري بعطائه الحياة العلمية والثقافية، سواء داخل الجامعة أو خارجها، ويسهم في صقل الذوق وتثقيفه، وبناء الروح العلمية، وصياغة العقلية النقدية، التي أصبحت ضرورة حتمية وملحة، في عصر باتت تهيمن عليه المعرفة السطحية والتفاهة، ويغرق حتى الأذنين في مستنقع من الضجيج الفارغ، والصراعات الدونكيشوتية، على حساب التجرد والمعرفة العلمية الرصينة.
ومَن غير هذه النخبة المختارة، بإمكانه التصدي لهذه الجحافل، التي اكتسحت حياتنا، ولوّثت منا السمع والبصر والذوق، وخاصة بعد توحش التكنولوجيا الرقمية وما أفرزته من وسائل تواصل، ضررها أكثر من نفعها مع بالغ الأسف، وأفرزت شريحة من الكُتّاب، قال عنهم الكاتب الإيطالي “أمبرتو إيكو”: “وسائل التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لجحافل من الحمقى كانوا يتكلمون سابقا فقط في الحانات بعد كأس من النبيذ.. .وكانوا يُسكَتون فورًا، أما الآن فلهم نفس حق الكلام مثل الحائزين على جائزة نوبل”؟
امتد عطاء الدكتور أحمد درويش، على مدى ستين عامًا، لم يتوقف خلالها عن التدريس في الجامعة، وتأليف الكتب العلمية المتخصصة، والإسهام في الإعلام بأحاديث طلية، وكذلك في المجلات والدوريات العلمية، بدراسات نقدية تحليلية عميقة، لأعمال أدباء العربية الكبار، قديمًا وحديثا، شعرا ونثرًا، والتحاور مع نصوصهم، تحاورًا خلاقا، مثل: الشنفرى الأزدي، وعنترة بن شداد العبسيّ، وأبي ذؤيب الهذليّ، والبحتري، وأبي فراس الحمداني، قديما. والعقاد، وخليل مطران، ومحمود حسن إسماعيل، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد الفيتوري، وأمل دنقل، ومحمد إبراهيم أبو سنّة، ومحمود درويش، ونزار قباني، حديثا. وعلى المستوى النثري قدم دراسات عن أعمال كل من: أبي حيان التوحيدي، وبديع الزمان الهمذاني، والمعري في رسالة الغفران، ويحيى حقي..
وألف الدكتور أحمد درويش ما يربو على الثلاثين كتابا، تجسد الأبعاد المختلفة لمشروعه النقدي المترامي الأطراف، منها على سبيل التمثيل وليس الحصر: النص البلاغي في التراث العربي والأوروبي – التراث النقدي: قضايا ونصوص – دراسة الأسلوب بين المعاصرة والتراث – أحمد الشايب ناقدا – نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي – خليل مطران شاعر الذات والوجدان – إنقاذ اللغة من أيدي النحاة – في صحبة الأميرين أبي فراس الحمداني وعبد القادر الجزائري – فن التراجم والسير الذاتية (مترجم) – تقنيات الفن القصصي عبر الراوي والحاكي – أصول الخطاب النقدي الحديث.. بناء لغة الشعر، لجون كوين (مترجم) – الاستشراق الفرنسي والأدب العربي – متعة تذوق الشعر – في النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة – في النقد التطبيقي: محاورات مع نصوص شعرية ونثرية – الكلمة والمجهر – ثقافتنا في عصر العولمة – العربية لغة بسيطة – تطور الأدب في عمان.
وللدكتور أحمد درويش عطاء متميز في حقل دراسات البلاغة القرآنية، فكتابه “تأملات في جماليات النص القرآني” – كما يوحي اسمه – جهد صادق ومثمر على المستوى الجمالي، والعلمي، والإيماني. فقد وقف مليا أمام جماليات الأسلوب القرآني، في صوغ أفعال “الإدراك الحسّي في القرآن الكريم”، وتناول بالتحليل كيفيات “تشكيل الصورة في النص القرآني”، كما كشف عن نسيج البنية الداخلية لبعض سور القرآن الكريم: هود، يوسف، الفرقان، فاطر، العلق.
وتأسيسًا على أن النص القرآني ملك لكل الأجيال، وليس لجيل واحد، حتى وإن كان جيل المبعث الشريف، استقبل الدكتور أحمد درويش القرآن “واضعًا في الحسبان أنه “نص حي” لم يأت فقط لكي يقرأه الذين عاصروا نزول الوحي، ولا لكي يؤوله التابعون لهم، ولا لكي يعكف عليه علماء الفروع المتخصصة في القرون الأولى، مع أهمية هذا كله وإجلاله، وإنما لكي يتسرب إشعاعه إلى نفوس المتلقين على اختلاف درجاتهم، شريطة التأهب، وعدم الانغلاق أو ادعاء الوصول إلى القول الفصل الواحد في التأويل، ومن هذه الزاوية تأتي اجتهادات السابقين لكي تعين على مزيد من الحوار، لا لكي تغلق دونه الأبواب”، كما قال في مقدمة الكتاب.
لم ينحصر إسهام د.أحمد درويش في الجهد العلمي الأكاديمي داخل أسوار الجامعة، تدريسًا وتأليفا، وإنما امتد إلى خارجها، متفاعلا ومشتبكا مع القضايا القومية الكبرى مثل قضية الحفاظ على اللغة العربية، مطلقا صيحته المحذرة من خلال كتابه “إنقاذ اللغة.. إنقاذ الهوية.. تطوير اللغة العربية”، ومؤكدًا أن التفريط في اللغة يؤدي إلى الضياع، مستشهدًا على هذا المعنى بقصيدة للشاعر الصقلي “إجنازيا بوتينا” بعنوان “لغة وحوار”:
“ضع شعبا في السلاسل/ جردهم من ملابسهم/ سد أفواههم.. لكنهم ما زالوا أحرارًا/ خذ منهم أعمالهم.. وجوازات سفرهم/ والموائد التي يأكلون عليها/ والأسرّة التي ينامون عليها/ لكنهم ما زالوا أغنياء/ إن الشعب يفتقر ويُستعبَد/ عندما يُسلب اللسان الذي تركه له الأجداد/ وعندها يضيع للأبد”
واستلهم الكتاب – في هذا الصدد – أحداث التاريخ عندما لفت إلى حقيقة أن “اللغة مِعول مهم في يد من يحاول هدم هذه الهوية، وهي كذلك أداة بناء فاعلة في يد من يحاول المحافظة عليها. ألم يساعد إحياء اللغة العبرية الحديثة أبناءها على التجمع من شتاتهم وبناء دولتهم؟ ألم يساعد التخطيط العلميّ الجيد لحركة الفرانكفونية على بقاء نفوذ الثقافة الفرنسية في العالم بعد انحلال إمبراطوريتها السياسية؟”.
وتصدى الدكتور أحمد درويش بالنقد والتفنيد للدعاوى التي تريد النيل من اللغة العربية، سواء كانت عن جهل أو سوء نية، بدعوى التطوير، فقد رد على كتاب الأستاذ محمد فريد الشوباشي: “لتحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه”، واصفا دعوته بأنها “فخ القطيعة مع الماضي”.
والدكتور أحمد درويش شاعر أيضا، وله دواوين: ” ثلاثة ألحان مصرية” (بالاشتراك مع زميليه: د.حامد طاهر، ود.محمد حماسة عبد اللطيف) و”نافذة في جدار الصمت” (بالاشتراك، أيضا مع الزميلين السابقين نفسيهما) و ديوان مستقل هو “أفئدة الطير”، الذي يتناصّ عنوانه مع الحديث النبوي الشريف: “يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير”. وبهذا الوجه الإبداعيّ الشعريّ، إضافة إلى الوجه النقدي، الذي سبق الإلماع إليه، يكامل الدكتور أحمد درويش بين طرفيْ دائرة مشروعه الأدبي، لأن “الأدب يمناه الخلق الذي ينتج ويبتكر.. ويسراه النقد الذي ينظم ويفسر”، كما قال توفيق الحكيم.
اقرأ أيضاًأكاديميون: القيم التي طرحها أحمد أمين تمثل ركائز أساسية لأي نهضة ثقافية حقيقية
الضغوط لا تبرر القسوة.. مصطفى بكري يستنكر جرائم العنف الأسري
