أخبار العالم

الحب نور لا يخضع لموسم – الأسبوع


في كلِّ يومٍ نعيشه نبض خفيّ من الحب، وفي كل لحظةٍ تخفق فيها القلوب سر من العطاء. فكيف ارتضينا أن نمنحَ الحبَّ يوماً واحداً، ثم نرده إلى صمته بقية الأيام؟ وكيف قبلنا أن نحصر ما وسعَ الروحَ كلها في تاريخٍ على هامش التقويم، ثم نطويه كما تُطوى صفحةٌ عابرة؟

الحبُّ أكبرُ من أن يُؤطر، وأعمقُ من أن يُختزل، وأصدقُ من أن ينتهي بانتهاء المساء. ليس وردةً توضع في يدٍ ثم تذبل، ولا بطاقةً تُعلق على جدارٍ ثم تُنسى. الحبُّ روحٌ ساريةٌ في الوجود، ونورٌ لا يخضع لموسمٍ ولا ينحني لتاريخ. إذا حصرناه في يومٍ فقد شيئاً من صفائه، لأن الروحَ لا تحيا بالاحتفال العابر، بل بالمعنى المقيم الذي يلازمها في صحوها وغفوتها.

نحن نحبُّ الله كل يوم، لا في مناسبةٍ معلنة، بل في ركعةٍ خاشعةٍ والجسدُ مُثقل، وفي دمعةِ أسحارٍ لا يراها أحد، وفي صبرٍ على بلاءٍ نحتمله ونحن نبتسم. نحبُّه في خوفنا من التقصير، وفي رجائنا لرحمته، وفي سعينا الدائم لمرضاته. نحبُّ أبناءنا في قلقٍ لا ينام، وفي دعاءٍ يسبقهم إلى طرقاتهم. نحبُّ أهلنا في شوقٍ يوقظه صوت، وفي سؤالٍ حانٍ لا ينتظر عيداً. نحبُّ أصدقاءنا في وفاءٍ يثبت حين تتبدل الوجوه، وفي يدٍ تمتد قبل أن يطلبها صاحبها.

ذلك هو الحبُّ في جوهره: طاقةٌ تتخلل تفاصيل الحياة. في كلمةٍ طيبةٍ تمسح وجعاً، وفي دعمٍ صادقٍ ينهض بقلبٍ كاد ينكسر، وفي احتواءٍ هادئٍ يرمم كسراً لا يراه سواك. في عملٍ تتقنه كأنك تُصلّي، وفي دراسةٍ تجتهد فيها كأنك تزرع نوراً في درب غيرك. العطاءُ ليس حكراً على حبيبٍ أو زوج، بل فضيلةٌ تتسع لكل مستحق، وسلوكٌ يوميٌّ لا يعرف زمناً عابراً ولا ينتظر مقابلاً. أن تملأ حياتك سلاماً ومحبةً ليس فعلاً موسمياً، بل قرارٌ يتجدد مع كل شروق: أن تختار الرحمة بدل القسوة، والإنصات بدل التجاهل، والصدق بدل الزيف.

ثم إنَّ من الحب ما لا تراه العيون ولا تلمسه الأيدي. فليس كلُّ من أحبَّ أجاده لسانُه تعبيراً. فثمة قلوبٌ تعجز عن صوغ مشاعرها كلمات، لكنها تجيد نقشها أفعالاً. تخفق قلوبهم بالحب وألسنتهم صامتة، لكن حبهم يُقرأ في أشياء كثيرة: في نظرةٍ تسبق الكلام، وفي يدٍ تمتد حين تسقط الدمعة، وفي حضورٍ خافتٍ في أشد اللحظات احتياجاً. أولئك الذين يخفون حبهم في صمتهم، إنما يُظهرونه في فعلٍ يسبق الوعد، وفي عطاءٍ لا ينتظر شكراً. ليس كلُّ حبٍّ يُقال، وليس كلُّ صامتٍ خالياً، فربَّ قلبٍ صامتٍ يحمل من الحب ما لا تحمله الدنيا بكل كلامها.

وهؤلاء أنفسهم قد لا تستطيع تصنيفهم في دوائرك المعتادة، لا هم أقرباء بالدم، ولا أصدقاء منذ الطفولة، ومع ذلك يسكنونك كما لو كانوا جزءاً من تاريخك الأول. كأن الريح حملتهم ذات يوم فأنزلتهم في قلبك بلا استئذان، فإذا بهم يملؤون فراغاً لم تكن تدري بوجوده. تنظر في عيونهم فترى نفسك، وتصغي إليهم فتسمع صدى ما يدور في داخلك. ليس بينكم تاريخٌ طويل، لكن بينكم تشابهٌ في القيم، واتفاقٌ في الرؤية، وطمأنينةٌ تشبه العودة إلى بيتٍ قديم.

هؤلاء هم شبيهو الروح. لا يكتمل بهم نقص، بل يُكتشف بهم تمام. لا يستعبدونك بحاجتك إليهم، ولا يرهقونك بتوقعاتهم. يمنحونك سلاماً لا يُعلن، لكنه يستقر في أعماقك كيقين.

وحين ينضج الإنسان يُدرك أن الحب ليس صدفةً عمياء، بل بصيرةٌ تنتقي. تختار من يشبه جوهرك لا من يلمع صورتك. تختار قلباً يتسع لضعفك كما يتسع لقوته، ورفيقاً لا يخاف اختلافك لأنه يعلم أن الأرواح إذا ائتلفت لا تفرقها التفاصيل. الاحتياج المتوازن هو سرُّ البقاء: أن تحتاج فلا تستعبد، وأن تمنح فلا تُستنزف. والانسجام الحقيقي ليس تطابقاً جامداً، بل تكاملٌ عميق في القيمة والوجهة والمقصد.

فأيُّ حبٍّ تعيشه حقاً؟

هل جعلت أيامك كلها موطناً له؟ أم جعلته أسير تاريخٍ يمرُّ ثم يتلاشى؟

الحبُّ لا يحتاج عيداً ليعلن حضوره. هو في نظرتك حين تصدق، وفي يدك حين تعطي، وفي دعائك حين يخلص. هو في صحوة الفجر، وفي سكينة المساء، وفي كلِّ نبضةٍ تقول لك إنك خُلقت لتُحب وتمنح.

لا تنتظر عيداً ليأتي إليك. أنت نفسك، حين تفيض بالعطاء، تُصبح عيداً لا يغيب.

اقرأ أيضاًسوزان ممدوح تستعيد ذكريات الرومانسية فى «ليلة عيد الحب الثانية» بالأوبرا.. «صور»

ازدحام جماهيري على أبواب الأوبرا قبل بدء «ليلة عيد الحب» الثانية.. صور

من روائع وردة.. رحاب مطاوع تتألق في «ليلة عيد الحب الثانية» بالأوبرا