الرئيسية

حافظ الأسد والإخوان المسلمين.. تاريخ من الصراع – الأسبوع


يُعدّ الصراع بين السلطة السياسية وحركات الإسلام السياسي في العالم العربي أحد أكثر ملفات التاريخ الحديث حساسية وتعقيدًا، حيث تختلط فيه الأبعاد الدينية بالسياسية والأمنية والإقليمية.

وتجربة سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد تمثل نموذجًا صارخًا لهذا التشابك، إذ لم يكن الخلاف مجرد تنافس سياسي، بل تحوّل تدريجيًا إلى صدام وجودي بين الدولة وتنظيمٍ عقائدي مسلّح رأى في نفسه بديلًا لنظام الحكم القائم، لذا فإن فهم هذا الصراع يتطلب قراءة متأنية لمساره وتطوّره، بعيدًا عن السرديات الدعائية أو التبريرية لأي طرف.

لم تكن علاقة الرئيس حافظ الأسد بتنظيم الإخوان المسلمين في سوريا علاقة عداءٍ مطلق منذ اللحظة الأولى، كما تُصرّ أدبيات الإخوان على تصويرها.

الواقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا، إذ مرّت العلاقة بين الطرفين بمراحل متعددة تراوحت بين التهدئة الضمنية والاحتواء، ثم الانفجار والتصعيد الدموي.

وفيما يلي قراءة موسّعة لمسار هذا الصراع منذ صعود الأسد إلى السلطة وحتى تحطيم التنظيم المسلح للإخوان في مطلع الثمانينيات.

البداية: تفاهم غير مكتوب (1970- 1973)

حين وصل حافظ الأسد إلى الرئاسة في نوفمبر 1970 عبر «الحركة التصحيحية»، سعى إلى فتح صفحة جديدة مع القوى الدينية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، تمثلت سياسة الأسد حينها في معادلة واضحة: السماح للإخوان بالنشاط الدعوي والسيطرة على المساجد، مقابل تخليهم الكامل عن السياسة وترك مقاليد الحكم له.

خلال تلك السنوات، سادت علاقة هادئة بين الطرفين، لم يتعرض الإخوان لضغوط أمنية تُذكر، كما لم يسعوا إلى تحدّي النظام في الشارع أو مؤسسات الدولة.

دستور 1973.. أول شرارة للاشتباك

انهار هذا التفاهم الهش عندما قرر الأسد إعداد دستور جديد للبلاد عام 1973، أغفل مشروع الدستور النص على أن الإسلام دين الدولة، فاستخدم الإخوان القضية لتحريك الشارع في عدة مدن: حماة، حمص، بانياس.

ولتهدئة الأجواء، أدخل الأسد تعديلاً ينص على أن دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، كما سعى إلى تعزيز شرعية الطائفة العلوية دينيًا عبر فتوى من الإمام موسى الصدر تؤكد انتماء العلويين للمذهب الجعفري الشيعي.

إلا أن الأزمة تركت شرخًا عميقًا في العلاقة، وكان التنظيم الداخلي للإخوان قد بدأ بالفعل يتجه نحو العسكرة تحت قيادة مروان حديد.

مروان حديد وبداية التنظيم المسلح (1973- 1976)

أسس مروان حديد تنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين بهدف إسقاط نظام الأسد بالقوة، وفي عام 1975 اكتشف الرائد محمد غرة، مدير مخابرات أمن الدولة في حماة، هذا التنظيم.

هاجمت قوة أمنية شقّة كان يتحصّن فيها حديد في دمشق، ودارت مواجهة مسلحة انتهت باعتقاله بعد نفاد ذخيرته، رفض حديد الاعتراف أو كشف أي تفصيل عن تنظيمه، ما زاد من غموضه وخطورته، وفي السجن تولى عبد الستار الزعيم قيادة التنظيم.

ردّ التنظيم سريعًا، ففي فبراير 1976 اغتال الزعيم الرائد محمد غرة انتقامًا لاعتقال مروان حديد، وفي يوليو 1976، توفي حديد في السجن، وهو حدث استغلته الطليعة لاحقًا للدعاية والتحريض، وفي أكتوبر من العام نفسه اغتال التنظيم الرائد علي حيدر، قائد موقع حماة.

مرحلة التصعيد الدموي (1977- 1979)

مع تصاعد العمليات، بدأ حافظ الأسد بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية عبر تشكيل الحرس الجمهوري لحماية الرئيس، وتكليف سرايا الدفاع بتأمين دمشق.

لكن هذه الإجراءات لم توقف موجة الاغتيالات التي نفذها التنظيم الإخواني:

23 فبراير 1977: اغتيال محمد الفاضل، رئيس جامعة دمشق ووزير العدل الأسبق.

يونيو 1977: اغتيال العقيد عبد الكريم رزوق، قائد لواء الصواريخ.

نوفمبر 1977: اغتيال علي عابد العلي، أمين حزب البعث في جبلة.

مارس 1978: اغتيال الدكتور إبراهيم نعامة، نقيب أطباء الأسنان.

أغسطس 1978: اغتيال مقدم الشرطة أحمد خليل.

مذبحة مدرسة المدفعية… نقطة اللاعودة (16 يونيو 1979)

بلغ التصعيد ذروته حين نفذ الضابط الإخواني النقيب إبراهيم اليوسف مذبحة مدرسة المدفعية في حلب. استدرج اليوسف طلابه إلى قاعة التدريب، ثم أدخل مجموعة مسلحة تابعة للتنظيم. بعد تلاوة بيان، فرز الطلاب طائفيًا وأعدم العلويين بلا رحمة، كما قُتل ضباط ومجندون من السنة والمسيحيين ممن رفضوا مغادرة القاعة.

النتيجة: 80 قتيلًا بينهم 32 ضابطًا علويًا.

بعد عام، ألقت المخابرات القبض على إبراهيم اليوسف، وتم إعدامه، ونُقلت جثته إلى المدرسة ليشاهدها الناجون.

عند هذه اللحظة، اتخذ الأسد قراره:

القضاء التام على التنظيم المسلح للإخوان.

اصطياد قيادات الطليعة المقاتلة (1979- 1980)

باشرت الدولة حملة مركزة على قيادات التنظيم:

سبتمبر 1979: قتل عبد الستار الزعيم.

ديسمبر 1979: اغتيال فيصل غنامة خليفته.

مايو 1980: اغتيال بسام أرناؤوط.

سبتمبر 1980: قتل هشام جمباز، ليخلفه عدنان عقلة.

محاولة المصالحة… ثم محاولة اغتيال الأسد (1980)

أمام الضربات المتتالية، اتجه مكتب الإرشاد نحو التهدئة عبر أمين يكن، وبوساطة إيرانية. وافق الأسد، وأمر بالإفراج عن 500 معتقل إخواني، وظهر في عدة خطابات يؤكد احترامه للإسلام ورفضه للعنف الديني.

لكن الإخوان استغلوا الهدنة لتنفيذ واحدة من أخطر عملياتهم: في 26 يونيو 1980 ألقى أحد عناصر الحرس الرئاسي — مُجنّد من الطليعة — قنبلتين يدويتين على الأسد أمام قصر الضيافة.

أُصيب الرئيس ونقل للمستشفى، وكُشفت شبكة تجنيد إخوانية داخل صفوف حراسه.

وفي اليوم التالي، وبينما كان الأسد في المستشفى، قامت سرايا الدفاع بالهجوم على سجن تدمر وقتل حوالي 800 معتقل إخواني في عملية انتقامية واسعة.

وبعد تعافيه، أصدر الأسد القانون 49 الذي ينص على إعدام كل من يثبت انتماؤه للإخوان المسلمين.

الطريق إلى المواجهة الكُبرى… حماة (1981- 1982)

بدأت الطليعة المقاتلة بحشد عناصرها في حماة. في أبريل 1981 اندلعت معركة قُتل فيها 400 مسلح إخواني.

وفي يناير 1982 كشفت المخابرات مؤامرة انقلاب عسكري بقيادة العميد تيسير لطفي، وأحبطتها.

ردّ الإخوان بقرار خوض معركة حاسمة بقيادة عمر جواد.

وفي 2 فبراير 1982 انطلقت المعركة بدعوات “الجهاد” من مآذن حماة، وتمكن الإخوان من السيطرة على المدينة يومين، وقتلوا خلالها كل عناصر الأمن وأعضاء حزب البعث الذين وقعوا في قبضتهم.

أرسل الأسد وحدات ضخمة:

الفرقة الآلية 21، الوحدات الخاصة، سرايا الدفاع.

تحصّن الإخوان في الأزقة والأحياء القديمة، ودارت معارك شرسة حتى منتصف فبراير، انتهت بتحرير حماة وسحق التمرد.

الخسائر وفق التقديرات الأمريكية

1000 شهيد من الجيش السوري.

1000 قتيل من عناصر التنظيم.

ثم نفذت الأجهزة الأمنية عمليات تصفية بحق كل من اشتبه بانتمائه للإخوان داخل المدينة.

قدّر باتريك سيل عدد القتلى بين 5 و10 آلاف، بينما رفع الإخوان الرقم إلى 40 ألفًا من أجل المتاجرة السياسية بالضحايا.

نهاية الطليعة المقاتلة (1983)

في مايو 1983 ألقت المخابرات السورية القبض على عدنان عقلة، آخر زعماء الطليعة. وبذلك انتهت فعليًا حرب الإخوان المسلمين ضد النظام، بعد أن حصلوا خلال سنوات المواجهة على دعم مالي ولوجستي من السعودية والعراق والأردن، إضافة إلى دعم سياسي وإعلامي من نظام أنور السادات خلال 1978- 1981.

هزيمة التنظيم في حماة كانت قاصمة. ومنذ فبراير 1982 أصبح حلم الإخوان المسلمين في إسقاط نظام حكم حافظ الأسد أمرًا مستحيلًا.

تكشف هذه المحطات أن جماعة الإخوان المسلمين اختارت في لحظة مفصلية رفع السلاح في مواجهة حافظ الأسد والدولة السورية، وهو ما أدخل البلاد في دوامة عنف سالت فيها دماء كثيرة ودفع ثمنها المجتمع السوري بأكمله. وحين خسر التنظيم تلك المواجهة على الأرض، انتقل إلى توظيفها سياسيًا وإعلاميًا، عبر ادعاء المظلومية وتضخيم الأرقام والوقائع لتبرير هزيمته أمام نظام الأسد ولتسول العواطف والمتاجرة بالدماء، وهي عادة الإخوان المسلمين منذ نشأتهم.

اقرأ أيضاًوفاة رفعت الأسد عم الرئيس السوري السابق

التاريخ حين يخلع تماثيله قبل أن يخلع أنظمته!!