بمناسبة مسلسل «رأس الأفعى» (إنتاج شركة سنيرجي، المقرر عرضه في شهر رمضان المقبل)، أتذكر الحديث، شبه النادر، الذي أجريته مع الرجل الأخطر في جماعة الإخوان، محمود عزت، قبل نحو 18 سنة و11 شهرًا بالضبط، أقول «شبه النادر»، لأن ما يسمى بـ«القيادات الحركية»، ومحمود عزت منها، لا يحبون الظهور، ولا يفضلون التعاطي مع الإعلام من الأساس. قيادات معنية بإدارة العمل التنظيمي اليومي (تخطيطًا، توجيهًا، وتنفيذًا) في جميع المستويات.
على عكس القيادات الدعوية أو الفكرية، تختلف مهام تلك الشريحة، لا تتعاطى النقاش، تصدر القرارات الفوقية، ولا تنتظر من المحيطين سوى السمع والطاعة، يركزون على الفعل العملي، متابعة القواعد، واتخاذ القرارات التكتيكية ضمن الإطار التآمري الذي تقره قيادة الإخوان في الداخل والخارج، وفق تحركات سياسية وأمنية متغيرة، ومن ثم، تحتل القيادات الحركية موقعًا مؤثرًا رغم ندرة حضورها العلني الإعلامي.
هكذا كان، محمود عزت حاورته في أجواء توتر داخلي حاد داخل الهيئة القيادية للإخوان، عقب سجن نائب المرشد العام، خيرت الشاطر عام 2007، فيما عرف حينها بقضية «ميليشيات الأزهر»، وهو ملف تسبب في إحالة عدد من قيادات الجماعة إلى القضاء العسكري على خلفية عرض طلابي بجامعة الأزهر نهاية عام 2006، رأت فيه الجهات المعنية، بحكم ما توافرت لديها من وثائق وأدلة، تشكيلاً تنظيمياً ذا طابع شبه عسكري، خاصة أن الجماعة كانت تشعر بالزهو والخيلاء بعد فوزها بـ88 مقعدًا في انتخابات مجلس الشعب 2005.
لم يكن فوز الجماعة «غير المسبوق» بذلك العدد من المقاعد البرلمانية نتيجة شعبية أو حبًا في الإخوان، بل كان «تصويتًا عقابيًا» ضد الحزب الوطني (الحاكم، آنذاك). ومع ذلك، وجدت الجماعة نفسها في أجواء مهيأة للتوغل والتمدد، مستغلة ساحة سياسية هشة تسببت فيها عوامل عدة، أخطرها، تغييب التيارات الرئيسية وأحزابها السياسية، مما قدم المشهد على طبق من ذهب لجماعة جشعة تحلم بالقفز على السلطة منذ تأسيسها بمعرفة الاحتلال البريطاني عام 1928.
من البرلمان إلى المشهد العام، حاولت جماعة الإخوان، في ذلك الوقت، توجيه مجموعة رسائل ذات مغذى عبر العرض «شبه العسكري» في جامعة الأزهر، رغم ما تعرفه، وأعرفه (بحكم السنوات التي مارست فيها الأنشطة الطلابية، رئيسًا لاتحاد طلاب كليتي بالقاهرة، وأمينًا عامًا مساعدًا لاتحاد طلاب جامعة الأزهر بكل فروعها على مستوى الجمهورية قبل تخرجي عام 1996)، حيث تنص اللائحة الطلابية على منع ممارسة أي نشاط على أساس حزبي أو فئوي لضمان حيادية المؤسسة التعليمية وحماية استقلال الجامعة كساحة للعلم، مع السماح بالأنشطة الطلابية المعتمدة.
الرسائل التي استهدفها «العرض الإخواني» كانت متعددة المستويات، أتصور أن أولى تلك الرسائل كانت استعراض القوة التنظيمية والتأثير الاجتماعي، بمعنى تعزيز شعور الانتماء والولاء داخل الصف التنظيمي، وخارجيًا اختبار قدرة الجماعة على البقاء والتأثير وإظهار أن الجماعة قوة لا يمكن تجاهلها، ثانيها، الاستعداد للسيطرة السياسية بعد نتائج البرلمان، وتقديم نفسها كقوة قادرة على التأثير في السياسة العامة، ثالثها، محاولة الاستفادة من الفراغ السياسي في ذلك الوقت للتوغل في المشهد العام، أما رابعها، فكان الجمع بين التحدي والمرونة الاستراتيجية من خلال تجربة أساليب متعددة لتحقيق أهدافها التنظيمية والسياسية.
الرسائل والإصدارات المضبوطة، بحسب الجهات المعنية حينها، تدل على عمل منظم داخل الجامعة، وليست نشرات تعبيرية- فكرية. توحي بتنظيم الجماعة لطلابها وتثقيفهم وفق برنامج «شبه عسكري»، وإعداد كوادر تدعم تغيير النظام القائم بالقوة. تستخدم الحشد ضد المؤسسات الوطنية عبر نشر رسائل دعائية- تحريضية داخل أروقة الجامعة لتأجيج مشاعر الطلاب، وتحويلها إلى مساحة لتلقين أفكارها من خلال خطاب يقدس الجماعة ويعادي خصومها.
الرسائل الاجتماعية، رغم مظهرها البريء، كانت جزءًا من خطة أكبر لتوسيع نفوذ الجماعة من خلال بناء شبكة ولاء تضاعف السيطرة الفكرية والتربوية على الأعضاء، هذا الجهد المشبوه حول النشاط الطلابي داخل الجامعة إلى أداة لخدمة مشروعها السياسي والفكري، الهدف النهائي كان واضحًا: خلق جيل من الطلاب الخاضعين بالكامل لخط الجماعة، مهيأ للعمل ضمن شبكة متماسكة قادرة على التوسع في المجال العام، بما يمثل تهديدًا صريحًا لاستقرار البيئة الجامعية والمجتمع ككل.
قبل حديثي آنذاك مع، محمود عزت، بدأ القلق يتسرب إلى صفوف قيادة الإخوان حول مستقبل توازناتها الداخلية، عزت، الذي اعتاد الابتعاد عن الإعلام، وافق على الحديث في سياق ضيق محكوم بالحذر، لكنه لم يُخفِ موقفه من مسار القيادة داخل الجماعة، نجحت في أن أجعله يعبر عن رؤيته لما اعتبره انحرافًا تدريجيًا في إدارة التنظيم منذ تسعينيات القرن الماضي، تحديدًا.
كان واضحًا أن الرجل لا يتحدث بدافع الفضفضة، بل من موقع قيادي يشعر بأن مسار الجماعة صار رهينة نفوذ مالي وإداري متركز، يختزل العمل التنظيمي في دائرة محدودة ويعيد إنتاج السلطة داخل بنية مغلقة، أظهر «عزت»، نفورًا صريحًا من صعود قيادات، معتبرًا أن دخولها إلى مواقع القرار لا يمنحها شرعية احتكار مقدرات الجماعة، ولا يبرر إعادة هندسة التنظيم وفق منطق السيطرة.
خرج القيادي الهادئ عن سماته المعهودة، أرى أن التنظيم، تاريخيًا، قام على توزيع الأدوار، لا تركيزها (كان يقصد هيمنة خيرت الشاطر ومن معه على الشئون المالية والإدارية، بل وجزء من الصلاحيات التنظيمية-الحركية)، لاحظت من واقع إجابات «عزت»، أن صراعات النفوذ صنعت توترًا مكتومًا، جرى تجاهله باسم الانضباط، بينما كان يتراكم في العمق دون معالجة حقيقية.
عندها طرحت عليه سؤالًا مباشرًا حول تأثير غياب الشاطر على القيادة، انقلب سلوكه فجأة وخرج عن هدوئه المعروف في مشهد نادر كشف حجم الاحتقان الذي كان يخفيه خلف لغة منضبطة، ارتفعت نبرة صوته، ولوّح بيده، ورفض أصل الفكرة، كنت أعلم أنني أجرح كبرياؤه، فالقيادات القديمة تنظر باستعلاء لمن هم أحدث، تجربة عصام العريان، عبد المنعم أبو الفتوح، وحلمي الجزار تكشف الطبقية التنظيمية بوضوح.
كأن سؤالي يعكس تصورًا مرفوضًا لدى «محمود عزت»، كابر وقال إن الجماعة لا يمكن أن تُختزل في شخص، مهما بلغ نفوذه أو اتسعت شبكاته، في تلك اللحظة، بدا الخلاف أعمق من صراع إداري، وأنه يتعلق بتعريف القيادة نفسها، حدود النفوذ، ومن يملك حق توجيه التنظيم وتحديد أولوياته في لحظات التحول الصعبة ليس فقط في مصر، لكن في الدول التي ينتشر فيها.
كنت، قبل اللقاء، مطّلعًا على طبيعة الانقسام بين التيار الحركي وغيره داخل الجماعة، وأدرك أثر السيطرة المالية على القرار، خلاف محمود عزت مع خيرت الشاطر لم يكن صراع شخصيات، بل تعبيرًا عن تضاد بين تصورين للسلطة داخل الجماعة: أحدهما يرى التنظيم شبكة إدارة موارد، والآخر يراه كيانًا يجب ضبطه بتوازنات داخلية استعصت على التطبيق.
الهيمنة المالية والإدارية جعلت مراكز القوة أكثر تركّزًا، مما قلّص المساحات الرمادية التي كانت تسمح بالاختلاف المنضبط، سيطر رجال «الشاطر» على مفاصل مؤثرة داخل مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام، ما جعل القرار أقرب إلى التوجيه العمودي، لا التفاعل الأفقي بين القيادات المختلفة.
بدا التيار الحركي منقسمًا على نفسه، بين من رأى في هذا النمط ضمانًا للتماسك، ومن اعتبره خطرًا يهدد قدرة الجماعة على التكيف مع التحولات السياسية، التاريخ التنظيمي للجماعة يظهر أن الصراعات المؤجلة لا تختفي، بل تتراكم، ثم تنفجر في لحظات الانتقال الكبرى حين ينتقل التنظيم من العمل المغلق إلى المجال العام.
الحديث قدّم لي صورة داخلية غير مباشرة حول تحييد قيادات، ليس عبر الصدام، بل عبر إعادة ترتيب الهياكل، بما يقلص قدرتها على التأثير، ويحَوّل «مؤسسات الجماعة» إلى أطر تصديق لا نقاش، حضرت أسماء معروفة في السياق كنماذج لقيادات فقدت وزنها التنظيمي بعدما اصطدمت بشبكة نفوذ محكمة تسيطر على الموارد وتحدد مسارات الصعود والهبوط داخل الجماعة.
ذلك الحديث، رغم طابعه الخاص، حمل قيمة توثيقية، لأنه كشف من الداخل كيف تدار الصراعات داخل تنظيم يقدّم نفسه متماسكًا، بينما يخفي تناقضات حادة تحت السطح، كثيرون خارج الجماعة لم يدركوا طبيعة هذه الخلافات، وظلوا يتعاملون مع القيادة بوصفها كتلة واحدة، متجاهلين أن القرارات نتاج صراعات داخلية معقدة، هذا الغموض أسهم في ترسيخ صورة مثالية لدى قطاعات من المجتمع، تعاملت بحسن نية مع خطاب الجماعة دون فحص بنيتها أو آليات اتخاذ القرار داخلها.
عندما دخلت الجماعة المجال السياسي العلني، ظهرت آثار هذا الخلل، إذ أُديرت السياسة بذات منطق التنظيم، ما خلق صدامًا سريعًا مع مؤسسات الدولة والمجتمع. حديث عزت، في هذا الإطار، يبدو تحذيرًا مبكرًا من نتائج تركّز السلطة، حتى لو لم يتحول إلى مراجعة علنية أو موقف انفصالي داخل الجماعة.
استحضرت حديث، محمود عزت، في ظل تعدد أدواره في تشكيل هياكل حركية بعد 2011، لم تتأثر بصراعات النفوذ. توضح التحقيقات والتصريحات الرسمية، اللاحقة، مركزيته في التحول داخل التنظيم، تبين التفاصيل الفجوة الواسعة بين الخطاب العلني الهادئ والممارسات التنظيمية المغلقة، وكيف يتم توظيف الأدوات الجاهزة للتصعيد عند الحاجة، واقع يناقض الصورة المزعومة التي يتم ترويجها عن سلمية العمل التنظيمي الإخواني.
اللغة الهادئة والعمل الاجتماعي لم يمنعا بناء شبكات انضباط صارمة، قادرة على التحول السريع، ما يطرح تساؤلًا حول طبيعة المشروع الحقيقي، لا شعاراته، ولا تكتفي الجماعة بنشاطها الحركي في الداخل، إذ تكشف طبيعة تواصلها مع أطراف خارجية حجم المخططات وطريقة تنفيذها. إحضار قائد فيلق القدس القتيل، قاسم سليماني، إلى القاهرة قبل حوالي 14 عامًا، يعكس حجم التناقض بين الخطاب والممارسة داخل تنظيم مغلق.
فكرة إنشاء تشكيل موازٍ للدولة، مهما اختلفت تفاصيلها، تعكس منطق التنظيم الذي يرى نفسه بديلًا لا شريكًا، منطق يتكرر في تجارب أيديولوجية عديدة، لا يولد فجأة، بل يتشكل تدريجيًا عبر تقديس التنظيم، تبرير أنشطته السرية، ثم إضفاء شرعية على استخدام القوة باعتبارها ضرورة مرحلية.
يقظة المؤسسات ووعي قطاعات واسعة من المجتمع لعبا دورًا حاسمًا في إفشال تحركات مشبوهة كانت ستقود إلى صدام واسع. لذا، يكتسب حديث «عزت»، القديم عن القيادة والاحتكار معنى أعمق، لأنه يكشف أن الأزمة لم تكن طارئة، بل نتيجة تراكمات داخلية طويلة، التحول من الدعوة إلى التنظيم، ثم إلى العنف، مسار معروف في تجارب حركات مغلقة حين تفشل في مراجعة ذاتها وتصر على إدارة السياسة بمنطق داخلي.
تفكيك هذه المسارات ضرورة تحليلية، لا تستهدف التشهير، بل فهم كيفية إنتاج التنظيمات المغلقة أزمات تهدد المجتمع والدولة معًا، أقول هذا لأن شريحة من المجتمع لا تزال تتعامل بحسن نية مع تنظيمات الإسلام السياسي وقياداتها، مدفوعة بخطاب ديني أو اجتماعي، دون تفكيك التجربة أو قراءة نتائجها الواقعية، هذه النية الحسنة تصطدم مرارًا بحقائق التنظيم، الذي يُظهر وجهًا علنيًا منضبطًا، ويحتفظ ببنية مغلقة قادرة على التحول وفق ما تفرضه الحسابات الداخلية.
حديث محمود عزت، بكل تناقضاته، يظل شهادة كاشفة، لأنه خرج من داخل التنظيم وسجّل لحظة صدق نادرة، حتى لو لم يُرِد صاحبها تحويلها إلى موقف علني، التاريخ لا يُكتب بالنوايا، بل بالنتائج، وتجربة الجماعة تُظهر كيف يتحول التنظيم من أداة تغيير إلى عبء حين يرفض المراجعة ويغلق دوائر القرار.
الدولة الحديثة لا تتعايش مع تنظيمات موازية، ولا مع قيادات تعمل خارج المجال العام، لأن ذلك يخلق ازدواجية ولاءات تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي. وعي الأغلبية، الذي تشكّل عبر التجربة، لعب دورًا حاسمًا في كشف الفجوة بين الخطاب والممارسة، وأسهم في إحباط مسارات خطيرة.
الدرس الأهم أن السياسة لا تُدار بعقلية التنظيم المغلق، وأن القيادة التي ترفض الضوء تترك المجال واسعًا للأخطاء مهما بدت منضبطة. قراءة تلك التجربة اليوم ضرورة لفهم الحاضر وتجنب إعادة إنتاج أخطاء الماضي تحت مسميات جديدة، فيما يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتعلم التنظيمات من تجاربها، أم تظل أسيرة منطقها الداخلي حتى نهاياتها؟ هذا سؤال المستقبل، لا الماضي.
ويبقى استحضار تضحيات شهداء الواجب الوطني الذين سقطوا دفاعًا عن مصر في مواجهة تنظيمات اختارت العمل السري طريقًا، والإرهاب متعدد الأشكال منهجًا، ولاتزال تواصل ما هي مأمورة به من قوى المصالح الدولية، لكن هيهات، ثم هيهات، فقد حدد شعبنا العظيم مساره، وتواصل مؤسساته مراكمة المكتسبات رغم تحديات ومؤامرات لا تتوقف، يدركها المخلصون ويقلل منها المتقاطعون.
اقرأ أيضاًأمريكا حين تخشى رئيسها!
وزير التعليم العالي يشهد انطلاق يوم التعاون العلمي والأكاديمي المصري الفرنسي بجامعة سيرجي
