في أوقات التغيير الكبير، لا يتطلع الناس إلى الرئيس فقط لقيادة الحكومة، بل إلى شخص يستطيع أن يحمل البلاد على كتفيه عندما تشتد العواصف وتكون الخيارات قليلة. هناك فرق كبير بين الشخص الذي يجلس على كرسي الحكومة، والشخص الذي يشارك في النضال من أجل الحياة.
لقد جاء هذا الرجل من قلب الجيش، من الثقافة المصرية البسيطة لملايين البيوت التي عرفت معنى النضال والصبر والانضباط. لم يتم خلقه من خلال وسائل الإعلام، أو من خلال الدعاية، ولكن من خلال سنوات عديدة من العمل في واحدة من أقوى المؤسسات العامة وأكثرها استقرارًا. لذلك، عندما اقتربت مصر من حافة الفوضى، كان يعرف جيدًا معنى سقوط العالم، وما يعنيه بقاؤه.
في تلك السنوات الصعبة، لم تكن الحرب مجرد حرب سياسية، بل كانت حربًا وجودية. وكان الإرهاب في ارتفاع، وكانت المنطقة مشتعلة، وكانت مصر تحت ضغوط أكبر من أي وقت مضى، في حين عملت وسائل الإعلام الاجتماعية والتكتيكات الشائنة ليل نهار على خلق الإحباط، وتشويه الوعي، وتقويض الثقة بين المواطنين وبلدهم. وكانت الخطة واضحة: إنهاك المصريين ذهنياً قبل أي شيء آخر، لكن الحكومة لم تسقط.
لقد شهدت مصر أعمال عنف وهجمات إرهابية استهدفت الجيش والشرطة والمواطنين العاديين، فضلاً عن فكرة الدولة نفسها. لكن الحكومة قاتلت بقوة، وأعادت الأمن، وحاصرت التنظيمات المتطرفة، وحمت مصر من الأحداث التي يمكن أن تحول البلاد إلى ساحة فوضى، كما حدث في العديد من الدول من حولنا.

عندما جاءت ثورة 30 يونيو، لم تكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل كانت لحظة مشهورة أعاد فيها الناس اكتشاف ثقافتهم وشخصيتهم وأساليبهم. وهنا ظهر ثقل القرار وصعوبة الموقف. إدارة دولة مصر الكبيرة وسط العديد من التحديات الإقليمية والدولية لم تكن سهلة، خاصة مع الأزمة المالية العالمية، والحروب الدولية على حدود المنطقة، والمحاولات المستمرة للضغط على القاهرة سياسيا وإعلاميا واقتصاديا وثقافيا وأمنيا.
وعلى الرغم من ذلك، بدأ يظهر جانب العالم الجديد: الطرق والمدن الجديدة، وعمل البلاد، وتطوير البنية التحتية، ونمو المدن أكثر من أي وقت مضى، واستعادة قوة المؤسسات، وحركة واسعة لبناء دولة حديثة، قادرة على الصمود لسنوات عديدة. ولم تعد الفكرة تقتصر على حل المشاكل المؤقتة فحسب، بل على خلق عالم مختلف يمكن أن يتطلع إلى المستقبل.
وعلى المستوى الدولي، استعادت مصر قوتها الإقليمية والسياسية. وأصبحت القاهرة لاعباً أساسياً في ملفات المنطقة، والصوت الحالي في قضايا السلام والاستقرار، فيما كانت المنطقة المحيطة بها غارقة في الصراع والانقسام. لم يعتمد الاتصال المصري في السنوات الأخيرة على الأفعال، بل على عملية تفكير وحكمة أبقت الحكومة في وسط منطقة النار.
ولعل أصعب المعارك هي تلك التي لا نستطيع رؤيتها بأعيننا، معركة الوعي. لم يكن الهجوم على المشاريع فقط، بل على الإيمان والوجود وفكرة الأمل نفسها. لكن الحكومة استمرت في البناء، واستمرت المؤسسات في العمل، واستمرت مصر في التحرك رغم كل الصعوبات.
ولذلك فإن هذه القصة لا تتعلق بالرئيس فقط، ولكنها جزء كامل من إعادة تأسيس مصر في واحدة من أخطر الأوقات التي مرت بها المنطقة الحديثة. واليوم عندما تنظر إلى ما يحدث حول مصر تدرك بوضوح أن الحفاظ على الاستقرار لم يكن بالأمر السهل، وأن بقاء البلاد قوية وموحدة وسط هذه الأحداث الصعبة لم يكن صدفة.
إنها قصة أمة اختارت أن تقف، وإنسان تحمل مسؤولية لحظة من التاريخ بكل مشاكله وصعوباته، وما زالت الرحلة مستمرة، لأن بناء الدول العظيمة لا يحدث في سنوات قليلة، ولكن بالإرادة لا تعرف كيف تعود، إنه بلد يعرف جيداً أهمية بقائه وقوة ازدهاره في المنطقة والعالم.
اقرأها مرة أخرىمن يتخذ القرارات ومن يشكل مستقبل المنطقة؟
قمة بكين بين واشنطن وبكين.. العالم ينتظر إعادة رسم خرائط القوة والصراع
